بقلم : رشاد كامل
كنت فى العاشرة من عمرى عندما وجدت أبى - رحمه الله - حزينا على غير عادته، وكان ذلك فى مثل هذه الأيام مارس سنة 1964، ولما سألته عن سبب حزنه قال لى بأسى: العقاد مات!
اندهشت وقلت ببراءة الطفولة: «العقاد» ده يقرب لينا؟! فقال: بكرة لما تكبر هتعرف مين هوه العقاد!
وكبرت ومرت السنوات ويتقرر علينا فى مرحلة الدراسة الثانوية كتابه «الشهير» «عبقرية خالد» وكان صعبا، بل شديد الصعوبة، لكنى قرأت له واستمتعت بكتابه البديع «التفكير فريضة إسلامية» وهو كتاب يدعو لإعمال العقل والتفكير، ثم قرأت الكتب التى صدرت عنه وتتحدث عن دوره فى السياسة والصحافة والأدب والشعر.
كان إعجابى بالرجل يتزايد دراسة بعد دراسة وكتابا بعد كتاب، كان «العقاد» أول صحفى مصرى يجرى حوارا صحفيا نشره فى جريدة «الدستور» مايو عام 1908 مع وزير المعارف سعد زغلول وكان عمره وقتها 19 عاما!
وفى مكتبة قصر ثقافة بنى سويف رحت أقرأ كل المتاح عن عبقرية العقاد صاحب العبقريات العديدة، وما يكتب عنه، ولست أنسى أبدا ما قرأته عنه أنه عندما كان فى سن السادسة عشرة من عمره وبعد أن بدأت الصحف تنشر له ما يكتبه ومنها صحف: الجريدة واللواء والمؤيد.
فى ذلك الوقت خطر له أن يصدر صحيفة اسمها «رجع الصدى» فى 8 صفحات يقوم هو بكتابتها وتحريرها وتمويلها الذى كان يكفى خمسة جنيهات فقط لإصدارها وهو مرتبه فى ذلك الوقت من وظيفته الحكومية، لكنه تراجع فى اللحظة الأخيرة بعد نصيحة أحد أصحاب المكتبات له بعدم ترك الميرى ليعمل بصناعة الصائعين الضائعين!
فى كتابات «العقاد» المبكرة كان شديد الإيمان بمصر والمصريين، حيث يقول فى إحدى مقالاته:
«ليس على سطح الكرة الأرضية أمة مصرية غير هذه الأمة، ولا فى الناس مصريون غيرنا، فنحن وحدنا المكلفون بإسعاد أمتنا، ونحن وحدنا الذين تهمهم رفاهيتها ورقيها، وما نراه من غيرنا من الاهتمام بشأننا لا يخلو من تصنع أو على الأقل من جهل بحقيقة أطوارنا وعوائدنا، فعلام لا نعمل بأيدينا ما ننتظر من غيرنا عمله لنا؟! وعلام نحسب حسابا لارتياح الدولة المحتلة ورضائها، ولا نحسب ألف حساب لما فيه فائدتنا الأدبية والمادية، بل حياتنا الحقيقية».
وأظن أن هذه المعانى والدلالات رغم أن عمرها أكثر من مائة عام إلا أنها تعتبر العصا السحرية لمصر جديدة أكثر تقدما وعدلا والحل فينا نحن لا فى يد الآخرين!
لقد خاض «العقاد» واحدة من أعظم معاركه دفاعا عن الدستور عندما وقف فى البرلمان - وكان نائبا فيه - صائحا ومهددا: أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس فى البلاد فى سبيل صيانة الدستور وحمايته!
كان «العقاد» يقصد الملك فؤاد، وقامت الدنيا ولم تقعد وحوكم العقاد وحكم عليه بالسجن تسعة أشهر وأثناء سجنه انتهى من تأليف كتابه «عالم السدود والقيود»!
كان «العقاد» أقرب الأشخاص إلى قلب وعقل الزعيم سعد زغلول، وكان يسميه «الكاتب الجبار»، وفيما بعد كتب الأستاذ محمد إبراهيم الجزيرى - سكرتير سعد زغلول فى ذكرياته يقول «كان سعد يحبه حبا جما ويحترمه ويعتد برأيه على حداثة سنه فى ذلك العهد، وما رأيته شغوفا بقراءة مقال كما كان مقبلا على مقالات العقاد، ولقد كان الأستاذ «العقاد» معول الهدم الذى يسلطه الوفد على خصومه، وكان حبه لسعد وإيمانه بمبادئه لا يتطرق إليهما شك، وكم أقام كثيرين وأقعد آخرين، وكان خصوم الوفد يستعيذون من قلمه، كان سعد يقول عنه: إنه جبار شديد الوطأة على خصومه وعنيد فى فكرته وإذا كتب ألم بالموضوع من جميع أطرافه».
وسوف تبقى كتب العقاد «حياة قلم» و«فى بيتى» و«رجال عرفتهم» التى تتضمن سيرته الذاتية من أمتع ما قرأت له، لكن يبقى أجمل وأعذب ما قرأته عنه رائعة ودرة الكاتب الراحل الأستاذ أنيس منصور وكتابه الفذ «فى صالون العقاد كانت لنا أيام»، أجمل وأعذب كتب أنيس إلى قلبى وعقلى!
تحية للعقاد الله يرحمه، وتحية لوالدى رحمه الله الذى قال لى منذ خمسين سنة عند وفاة العقاد: بكرة لما تكبر هتعرف مين هوه العقاد!
ملحوظة مهمة: عنوان المقال هو عنوان بديع لكتاب رائع بنفس العنوان للمفكر الراحل «د. عبدالفتاح الديدى» رحمه الله.



