بقلم : رشاد كامل
انتهى «زمن الأدب» منذ سنوات طويلة لا أعرف عددها!!
انتهى الزمن الذى كانت فيه أقلام الصحفيين والأدباء تنتفض وتثور إذا خبطت عبارة قليلة الأدب «فى سياق فيلم أو مقال أو مسلسل درامى!
أبناء هذه الأيام الذين يعتبرون «العبارات القبيحة» و«الكلمات الأبيحة» التى تستخدم كل أجزاء جسد المرأة جزءا من الثقافة الثورية، أو الثورية الثقافية!!
وكأن المثقف لن يكون مثقفا، والثورى لن يكون ثوريا، والنخبوية لن تكون نخبوية إلا إذا حشر فى كلامه وحواره وتعليقاته: شتائم وسخائم وكلام لايصلح نشره لكنه يقال ويجد من يدافع عنه!!
فى سبعينيات القرن الماضى قامت القيامة وثارت الدنيا على السيدة «فاتن حمامة» سيدة الشاشة العربية عندما نطقت بعبارة: يا ابن الكلب فى فيلم «الخيط الرفيع» بطولة الفنان «محمود يس» عندما رفض أن يتزوجها بعد أن رفعته من قاع المجتمع إلى قمته، وأحست بعمق الخسة والندالة من موقفه فكانت هذه العبارة التى وجهتها له.
هاجمت الصحف «فاتن حمامة» على نطقها لهذه العبارة التى لم تكن مقحمة أو دخيلة على حوار الفيلم الجميل المأخوذ عن رواية الكاتب الكبير «إحسان عبدالقدوس».
وربما ضحك أبناء وبنات هذه الأيام على تفاصيل تلك المعركة، فقد تجاوزوا كل المفردات وأضافوا إليها قاموسا جديدا وبذيئا يستخدمونه فيما بينهم - وهم أحرار فى ذلك، لكن أن يستخدموا عبر وسائل التواصل الاجتماعى وفى تعليقاتهم على ما يقوله أو يكتبه الآخرون، فهنا نقول: عيب!!
فى مسلسل يذاع هذه الأيام اسمه «قلوب» يجىء على لسان أحد أبطال المسلسل يمثل شخصية «دبلوماسى» سابق ومقدم برامج عينة منتقاة يوجهها لزميلته من نوعية: ياواطية وغيرها مما لايصلح نشره!
ولن أتحدث عن المكالمات التليفونية التى تأتى من متصلين لتشتم مقدمة البرنامج أو تطلب معاشرتها!!
وإذا تجرأ «مواطن» عنده دم وهاجم ما يحدث لوجد عشرات الأقلام والأصوات تهاجمه بأنه رجعى ومتخلف وعدو الإبداع والابتكار والفن!!
هل تابع أحدكم أو قرأ صفحات بعض الثوار والثورجيات وأعضاء الحركات وكيف يخاطبون بعضهم بالأم والأب؟! ما علاقة الثورية بكل هذا أيها السادة؟!
هل أصبحت «السفالة» وقلة الأدب من حقوق الإنسان الذى نص عليه الميثاق العالمى لحقوق الإنسان؟!
هل أصبح من مهام ووظيفة جمعيات حقوق الإنسان «حماية السفالة لكل إنسان بصفتها أحد مكتسبات التغيير الثورى والإرادة الشعبية!!
هل أصبحت «قلة الأدب» واللسان الطويل المنفلت «أحد مسوغات الشهرة فى الكتابة والفضائيات والنضال!!
هل لاتصبح «الوقفة الاحتجاجية» ناجحة وسليمة ومعبرة إلا إذا تخللتها الشتائم الفادحة والكلمات الفاضحة!!
هل لاتصبح المظاهرة السياسية «مجدية وذات تأثير إلا إذا صاحبتها عشرات الهتافات البذيئة ضد الوطن وأجهزته وناسه ومسئوليه!!
هل أصبحت شتيمة وسب «القضاة» من جانب المتهمين دفاعا سياسيا لايجب أن يلتفت إليه القاضى، فإذا حكم القاضى بسجن من يشتم ويسب المحكمة هاجت الدنيا دفاعا عن المتهم الشتام الذى استخدم أحد حقوقه الأساسية ومنها السب والشتم!!
وذات يوم قام الدكتور «سيد عويس» شيخ علماء الاجتماع برصد ودراسة العبارات والكلمات التى يكتبها أصحاب السيارات خلف سياراتهم من نوعية: ما بتصليش بعين روية.. بص على اللى اتدفع فيا» و«ياناس ياشر.. كفاية قر أو «ياناس يا عسل.. الجدع وصل» وهكذا، أين هو «سيد عويس» هذه الأيام ليرصد لنا مغزى ودلالة هذه المجارى الطافحة فينا ومنا وعلينا من سباب وشتائم وسفالات وقلة أدب!!
سُئل حكيم قديم اشتهر بالأدب وعفة اللسان:
كيف تعلمت الأدب؟!
فقال: تعلمته من إنسان «قليل الأدب»؟! كلما فعل شيئا حرصت ألا أفعله!!
ومازلت أومن بعبارة ماتت منذ سنوات تقول: الأدب فضلوه على العلم!!
والآن - يا أصدقائى - لا أدب ولا علم!! ولعل «بنات الحرائر» و«تلامذة الجماعة والعشيرة» خير دليل على ما أقول!!



