بقلم : رشاد كامل
«إن أى سلطة سياسية فى العالم الثالث تبلغ بها الشجاعة والصبر والثقة مبلغ تقديس حريات الأفراد أو تكريسها فى وجه كل مغريات السلطة هى سلطة تستحق التأييد والمساندة، حتى ولو كان النبض الديمقراطى ضعيفا، فإن الحقوق السياسية رهن أولا بخلق المواطن الذى يتمتع بحقوقه المدنية بلا خوف أو رهبة».. والديمقراطية على أى حال لايمكن أن تكون قوية فى مجتمع ضعيف، ولا ثرية فى مجتمع فقير، وفى هذا العالم الثالث التعس فإن حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تكون نصب أعيننا ونحن نفكر تفكيرا سياسيا.
أمية غالبة، وأمراض متوطنة، وسوء تغذية وفقر شامل وجوع أحيانا وفى مثل هذه البيئة فإن بعض المفاهيم كحرية الرأى والتعبير والمساواة لابد أن تعنى شيئا مختلفا بعض الشىء عما تعنيه فى المجتمعات الأكثر تقدما.
ومن ثم يبدو أن إعلان تطبيق النماذج الديمقراطية الغربية بحذافيرها قد يعنى على العكس إلهاء الشعوب باسم الديمقراطية لافتراس حقوقها، وقد يشبه قلادة من «الماس» على صدر جائعة وما يتبعه من «بغاء سياسى»!
وعلينا ألا نقع فى الفخ فإن أنظمة معينة فى هذا العالم تروج لسلعتها الديمقراطية بما تقوم عليه أو يرتبط بها من أنظمة اقتصادية وتحاول أن تبيعها إلى دول العالم الثالث على الأخص خدمة لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية وهى تعلم أنها نماذج لا تصلح لها تربة العالم الثالث ولن تأتى زراعتها بأى محصول أو عائد!
لكل مجتمع جيولوجية خاصة أو تضاريس خاصة تحدد شخصيته وتميزها إلى جانب العقيدة التى يعتنقها، ولعل النظام الأساسى للحكم هو أخطر نظام اجتماعى، ومن أكبر الأخطاء أن نحلق فى سماء النظريات والمثاليات أو أن نتصور أن نظاما سياسيا نجح فى مجتمع ما يمكن تطبيقه بنفس النجاح على مجتمع آخر، مجتمع وصل فيه التطور إلى اعتبار الفرد وحدة متبلورة ذى حقوق تكاد أن تكون مقدسة لايشبه فى فلسفته السياسية مجتمعا آخر يقر للعائلة أو العشيرة دورا وقيمة يتجاوز دور الفرد وقيمته.
إن الديمقراطية ليست تنظيرا أو نصوصا دستورية فحسب، وليست مجرد المناداة أو التشدق بها والبكاء عليها بل هى ممارسة قبل كل شىء، ومالم يمارسها أصحابها فإنها تتحول من أيديهم إلى أيدى المغامرين!
الديمقراطية ليست عباءة مزركشة يخلعها أحد على أحد وإنما يكتسبها من أرادها وسعى وكد من أجلها، إنها لاتشترى ولكنها جائزة ينالها من يستحقها وإذا كانت الديمقراطية توقظ الشعوب فإن الشعوب أيضا توقظ الديمقراطية إن الشعب إذا نهض وتحرك واستجمع طاقاته وحافظ على ما يملك واستثمره وتفاعلت ثروته البشرية مع ثرواته الطبيعية سوف ينال الديمقراطية التى يستحقها بعنائه وعرقه.
إن العمود الفقرى للديمقراطية هو الخلو تماما من العنف، بل إن مهمتها هى تخليص الحياة الاجتماعية من العنف، ولهذا فإنها شديدة التأذى من كل صور العنف السياسى والاقتصادى والاعتقادى.. والعنف السياسى معروف تمارسه السلطة الحاكمة فتخنق صوت الشعب وتلفق بدلا منه صوتا آخر يعبر عن رأى الحاكم.. والعنف الاقتصادى أن يسود نظام اقتصادى قائم على الاستغلال بلا رحمة ولا يحقق العدالة ولا الفرصة المتكافئة والدولة من ورائه تسنده أو تغفل عنه!.. والعنف الاعتقادى أن تدعى فئة أنها فوق مستوى الحوار الديمقراطى وأن ما تعتقده هى هو الحق المطلق وعلى الجميع أن يذعن له طوعا أو قهرا إذا لزم الأمر!!
إن كل الاتجاهات الفكرية مهما تناقضت وتصارعت يجمعها شىء واحد على الأقل مادامت تؤمن أساسا بالمباراة الديمقراطية والصراع السلمى وهو عصب الديمقراطية، ولهذا كان كل تيار قائم على إنكار الجدل والصراع السلمى عدوا للديمقراطية، ومن ثم فليس من الديمقراطية أن يقوم فكر معين على أساس انقلابى يعتبر العنف وسيلة شرعية للوصول إلى الحكم.. ليس من الديمقراطية الحقة أن تحاول فئة أن تضع وحدها قواعد اللعبة السياسية، فإن هذه القواعد يجب أن تكون من وضع أطراف المباراة جميعا وأطراف المباراة الديمقراطية هم كل من يقبل مسبقا الاحتكام إلى رأى الشعب وبذلك يخرج كل من لا يرتضى بالاحتكام ويسعى إلى إخضاع الآخرين لما يعتقده حقا!.. الديمقراطية تتطلب أكثر من فريق فى ساحة العمل السياسى: فريق يعمل ويتحمل مسئولية الحكم، وفريق يشتغل بالرقابة والنقد، وليس هناك بديل عن هذا التعدد لحماية الحكم من الفساد والتصدى له وإبراز الأكفأ والأنظف وإذكاء المفاضلة والمنافسة!
المعارضة ليست وظيفة فالأساس أن هناك اشتغالا بالعمل السياسى بصرف النظر عن كونه فى الحكم أو خارجه، فإذا أدى عملك السياسى إلى أن تتولى الحكم فبها، الاشتغال بالمعارضة إذن غير مقبول إذا كان يعنى جماعة مهمتها ووظيفتها تحطيم كل شىء لتحل محله حتى يتم تحطيمها هى الأخرى.
∎ هذه سطور مهمة صاحبها الرجل الفاضل الدكتور «أحمد خليفة» عالم الاجتماع الشهير والوزير المرموق كتبها منذ ثلاثين عاما، وأظنها تصلح للقراءة الآن وفى فترة الصمت الانتخابى!!



