الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

«صديق العمر» اسم المسلسل الذى لاقى انتقادا يستحقه وهجوما اختلط فيه الذاتى بالموضوعى، لا أتحدث عن التمثيل والإخراج والإضاءة والديكور وعمال البوفيه والنقل والملابس وكل من شارك فى المسلسل!!أتحدث عن الكتابة فهذا ما يعنيى!! ومسلسل «صديق العمر» يتحدث عن «جمال عبدالناصر» رئيسا وزعيما والمشير «عبدالحكيم عامر» الرجل الأول مكرر فى حكم مصر والتعبير للأستاذ «محمد حسنين هيكل»! أتحدث عن الكتابة فهذا ما يعنيى!! ومسلسل «صديق العمر» يتحدث عن «جمال عبدالناصر» رئيسا وزعيما والمشير «عبدالحكيم عامر» الرجل الأول مكرر فى حكم مصر والتعبير للأستاذ «محمد حسنين هيكل»! «صديق العمر» المقصود به «المشير عبدالحكيم عامر» وقد كان كذلك بالفعل طبقا لأغلب الشهادات والوثائق لمن اقترب وعمل مع الرئيس والمشير! إنها واحدة من أغرب وأندر وأعقد «صداقات العمر»، صداقة بدأت عام 7391 فى الكلية الحربية، ودامت ثلاثين سنة لتنكشر مع هزيمة يونيو 76 ثم وفاة أو انتحار المشير عامر رحمه الله. كلاهما جاء من صعيد مصر وتجمعهما سنوات الدراسة فى الكلية الحربية، وكان «عبدالناصر» قبلها قد التحق بكلية الحقوق لستة شهور، وكان «عبدالحكيم» قد التحق قبلها بكلية الزراعة لستة شهور قبل أن يتركها! يوما بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع تقاسم الاثنان الأحلام والآمال واللقمة والضحكة والطموح والمستقبل أيضا.. يقول الأستاذ «هيكل» أن المشير عامر لبعض الفترات ونتيجة للظروف كان أحب أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى جمال عبدالناصر وعندما قرر «عبدالناصر» الزواج من السيدة الفاضلة تحية عام 4491 كان «عبدالحكيم أول من يعلم بأمر هذا الزواج وبعدها بشهور كان «عبدالحكيم» قد تزوج هو الآخر، وأطلق «عبدالناصر» اسم عبدالحكيم على أحد أبنائ وأطلق عبدالحكيم اسم «جمال» على أحد أبنائه بل إن شقيق عبدالناصر الطيار «حسين» تزوج من «آمال» ابنة المشير. يذكر السيد «عبدالمجيد فريد» أمين عام رئاسة الجمهورية أن «عبدالناصر» قال له عن المشير عامر إحنا أصلا صعايدة سوا، وطلعنا ضباط سوا، وأخذنا شقة مع بعض فى القاهرة، وهو إللى علمنى السجاير، وعبدالحكيم أنا الوحيد إللى أدخل بيته وأدخل أسرته حتى لو ماكنش موجود، والعكس عندى ييجى ويدخل عندى وعند أسرتى دون إذنى، الوحيد. ∎∎ «الوحيد الذى يمكن أن يتقبل عنى الرصاص هو عبدالحكيم عامر، والوحيد الذى يمكن أن يفدينى بروحه هو عبدالحكيم عامر هذه العبارة البالغة الدلالة اعترف بها الرئيس جمال عبدالناصر للسيد «عباس رضوان من الضباط الأحرار ووزير الداخلية الأسبق، والمناسبة كانت تلك الحكاية التى شهدها عباس رضوان حيث يقول: فى مؤتمر شعبى عقد فى مدينة الإسماعيلية فى الستينيات، وكان عبدالناصر يجلس على المنصة ومن حوله بعض الوزراء، وجلس «عبدالحكيم عامر» فى الطرف الآخر وبينهما المنضدة التى سيخطب عليها «عبدالناصر» وفجأة انقطع التيار الكهربائى وخيم الظلام الدامس على المكان واستغرق ذلك دقيقتين أو ثلاث دقائق حيث يتم التحويل إلى مولد كهربى آخر، ثم أضيئت الأنوار على منظر لا أنساه، وجدنا «عبدالحكيم» واقفا بطوله أمام جمال عبدالناصر الجالس على الكرسى بحيث إنه لو جاءت رصاصة لجمال عبدالناصر تصيبه هو!!.. هذا المشهد أبكى الحاضرين، الحرس الذى كان خلفه لم يتحرك وتحرك «عبدالحكيم عامر» عشرة أمتار ووقف أمام عبدالناصر يحميه من أية رصاصة قد تأتى إليه فى الظلام.. ويعترف «أحمد لطفى وأكد» عضو الضباط الأحرار بقوله: قبل تبادل العنف مع الإخوان المسلمين كان يحلو لعبد الناصر الذهاب إلى السينما بدون حراسة وكنت ألاحظ فى كل مرة أن عبدالحكيم يضع نفسه فى موضع الدرع الذى يقى عبدالناصر من أى سوء.. وقبل أن ألتقى بعبد الحكيم لأول مرة أوائل عام 1591 كان عبدالناصر قد حدثنى عنه بكثير من المحبة والثقة حتى تصورتهما توأمين، ولما عرفت «عبدالحكيم» اكتشفت أن ما بينهما من علاقة يتجاوز الالتقاء الفكرى والوطنى والسياسى إلى حب أخوى صوفى!! ويحكى الكاتب السويسرى جورج فوشيه فى كتابه المهم والنادر «عبدالناصر وصحبه» بداية صداقة العمر فى الكلية الحربية بين عبدالناصر وعبدالحكيم فيقول: توثقت عرى صداقة حميمة بينهما وكان الاثنان شغوفين بالمطالعة، وأطلق على «عبدالحكيم عامر» اسم روبنسون لشغفه بقصص الأسفار والمغامرات الفذة كمغامرات روبنسون كروزو، كان عبدالحكيم عامر ورئيس فرقته «جمال عبدالناصر» من الطلبة المثاليين فى الجد والمثابرة وفى احترام اللوائح والنظم العسكرية وكانت الحياة العسكرية تروق لهما تماما.. واشتهر فى الكلية باسم الأومباشى «جيمى» وكانت صداقته «لروبنسون» معروفة وكنت إذا رأيت «جيمى» فسرعان ما يظهر «روبنسون» والعكس بالعكس كانت مكتبة الكلية المكان المفضل للقائهما. ∎∎ وفى السودان أيضا كان السيد عبدالعزيز جميل «السفير فيما بعد» شاهدا على هذه الواقعة حيث كان ضمن أفراد الكتيبة الثالثة مشاه بنادق التى وصلت للخرطوم فيقول: «وجدنا فى استقبالنا ثلاثة ضباط مرحين ضاحكين قدموا أنفسهم: «زكريا محيى الدين»، «عبدالحكيم عامر»، «جمال عبدالناصر» وقالوا لنا إننا وصلنا فى لحظة مناسبة لأنهم يحتفلون اليوم بحدث سعيد هو ترقية الملازم ثان «جمال عبدالناصر» إلى رتبة الملازم الأول «ثم يروى هذه الواقعة: كان عبدالناصر أكثرنا علما وثقافة وكانت هوايته التى تطغى على كل الهوايات الأخرى هى الكتب والقراءة، ولم يكن ممكنا أن نقضى ليالى الخرطوم الطويلة فى شىء أمتع من الجلوس إليه والاستماع لتلخيصه لآخر كتاب قرأه، وكان يستغرق فى الاطلاع وننتظر نحن كما كان يقول «عبدالحكيم عامر» أن يعطينا الكتاب فى برشامة!.. وكان توفير الكتب لجمال عبدالناصر وتنظيم مكتبة مهمة تنتسابق جميعا إليها خصوصا «عبدالحكيم عامر» الذى كان مديرا متفانيا وكان إيمانه بعدالناصر وحبه له بلا حدود. وفى الصيف كنا ننزل عبدالناصر وأنا بملابس خفيفة بالقميص والبنطلون أما عبدالحكيم عامر فكان يصر بوصفه ابن عمدة على ألا يسير حتى فى الصيف إلا بطقم كامل بدلة وطربوش وربطة عنق!! وذات يوم وخلال جولتنا التقليدية فى العصر، دخلنا مكتبة فوجدنا كتابا كان جمال يبحث عنه من زمن وفرح به فرحا كبيرا وسأل عن الثمن فقال صاحب المكتبة 021 قرشا «مائة وعشرون» وكان قد بقى معه خمسون قرشا وطلب ما معى من نقود ولم تكن تتعدى عشرين قرشا ولم يكن مع «عبدالحكيم» أكثر من هذا وفى ذلك الوقت كانت هذه المبالغ مناسبة مع ضباط صغار وأخفى «عبدالناصر» أسفه وألمه وضحك وأعاد الكتاب وقال نأتى غدا لشرائه! وظللنا نقلب فى بعض الكتب الأخرى ونقلب على خجلنا ثم استدرنا لننصرف ولم نجد «عبدالحكيم» وسألنى أين عبدالحكيم؟! فقلت: لا أدرى؟! وأخذنا نتلفت هنا وهناك حتى رأيناه مقبلا وهو يلهث وقال: أين الكتاب؟ سنشتريه! وأخرج عبدالحكيم جنيها من جيبه وطلب إلى صاحب المكتبة أن يلف الكتاب!! ولم نعرف كيف حصل عبدالحكيم على الجنيه إلا حينما أشار إلى رأسه ولم نجد عليها «الطربوش النسر وكان أشهر ماركات الطرابيش، لقد خرج وباع طربوشه وعاد بالجنيه حتى لا يحرم جمال عبدالناصر من كتاب يريده!! وفى شهادته ذات الدلالة البالغة يقول السيد «سامى شرف» وزير الدولة 81 عاما فى مكتب جمال عبدالناصر يقول: كانت تعليمات الرئيس أن كل ورقة تعهرض عليه ترسل إلى المشير فى نفس اللحظة دون استشارة والقرارات التى تصدر دون أن يكون شريكا فيها يكون أول من يعرفها، وكان «عبدالحكيم» هو الوحيد الذى يعرف تحركات الرئيس السرية». ∎∎ وتطول الحكايات عن «صديق العمر» الحقيقى الذى غاب عن «صديق العمر» المسلسل، مع كل الاحترام للنوايا الطيبة التى أرادها المسلسل!!∎

تم نسخ الرابط