بقلم : رشاد كامل
أزمة.. أزمة.. أزمة.. أزمة!!
كلمة ملعونة وبائسة تطاردك فى كل مكان صباحا ومساء فى الصحف والمجلات، وفى برامج الفضائيات التى هى أكثر من الهم على القلب، وعلى ألسنة الحكومة والمعارضة وأول كل هؤلاء الجماعة الإرهابية الملعونة!
لا يخلو موضوع واحد من حشر كلمة «أزمة» بداخله، من أزمة الدعم والطاقة والكهرباء إلى أزمة العنوسة والطلاق والتحرش وأخيرا أزمة الانفلات الأخلاقى فى مسلسلات الدراما الماضية! إن تكرار لفظ ما مرات عديدة، ثم إعادة تكراره بإلحاح يتحول من لفظ كريه إلى شىء نعتاده فلا نعود نستغربه أو نندهش له أو نستنكره!
إن كلمة «أزمة» التى لم تعد تستوقف انتباه أحد أو تثير دهشته، سبق أن استوقفت أديبنا الكبير د. يوسف إدريس منذ ثلاثين عاما بالضبط، كان يومها د. يوسف إدريس قد أصدر كتابه الرائع «فكر الفقر وفقر الفكر» دار المستقبل.. وكتب يقول:
نحن مغرمون دائما بكلمة أزمة نطلقها على كل شىء: أزمة لحمة، أزمة مساكن، أزمة ثقة، أزمة قصة، أزمة مواصلات، والذى أريده هنا هو أن نمتنع تماما عن ذكر كلمة أزمة أو نتأدب ونضحك على أنفسنا ونسميها اختناقا أو اختناقات، فالكلمة الحقيقية التى لابد أن نستعملها هى كلمة فقر«!!» وإذا أحللناها محل كلمة الأزمة فإننى أعتقد أن الصورة تتضح بطريقة تساوى نصف الحل!
فلو قلنا فقر لحمة، وفقر مساكن وفقر ثقة وفقر مسرح وفقر سينما وفقر صحافة وفقر كتابة لكانت التسمية والتشخيص أدق!
الفقر هنا بالضبط هو عكس الغنى، والغنى ليس الغنى المادى إنما هو أولا وأساسا غنى النفس، النفس الغنية غنية حتى لو كانت تقتات أو حتى تبيت على الطوى، والنفس الفقيرة فقيرة حتى لو كانت تملك الملايين!
ويضيف د. يوسف إدريس ببصيرته النافذة والناقدة:
«كل أزمة فى مصر لا يوجد لها أى حل مدروس أو غير مدروس، والنتيجة بالطبع أن الفقر يؤدى إلى فقر والأزمة تؤدى إلى أزمات بل إن هذه الأزمات نفسها وهذا «الفقر الفكرى» «يؤديان فى النهاية إلى قرارات فقيرة تؤدى بالضرورة إلى ازدياد الفقر! والفقر يولد فكرا متخلفا يؤدى بدوره إلى فقر أكثر».
وينتقل د. يوسف إدريس إلى « فقر الفن» فيؤكد: أن الفن الفقير يؤدى إلى أرواح فقيرة تنتج بدورها وتستقبل فنا فقيرا يؤدى إلى فقر مادى حقيقى!
نحن فقراء فكريا لأننا لا ننتج، ونحن لا ننتج لأننا حقيقة فقراء فكريا وليس لأن هناك أزمة اقتصادية أو تضخما، وأى شعب مهما بلغ من الثراء والغنى يكف عن التفكير لابد أن يئوب إلى فقر سريع مدقع، فالنقود جنينها الأفكار، ولا يمكن للإنسان أن يكسب إلا بفكرة يتفتق عنه ذهنه، وهكذا من المستحيل على شعب لا يفكر أن يكسب إلا أن يفكر بعض أفراده بطريقة منحرفة ويسرقون!
ويتساءل بمرارة: ماذا حدث حتى جلعوا مصر التى كانت أغنية وأمنية فى فم أبنائها (لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا) عقوبة توقع وبالذات على من يؤثرون البقاء فيها، عقوبة محكوم عليهم بها ألا يفيقوا أبدا من الأزمات وطوابير الأزمات، وهذا أبدا ليس فقر فكر وفكر فقر!
أن الفقر ليس وضعا اقتصاديا فقط، إنه وضع من أوضاع البشر، وضع عام، يتصرف فيه الإنسان بفقر ويفكر بفقر أفكار تؤدى إلى فقر أكثر واحتياج للغير أكثر، بمعنى آخر هو مرض يصيب الاقتصاد ويصيب العقول ويصيب الخيال أيضا!
انتهى كلام د. يوسف إدريس فهل قرأته وفهمته نخبجية مصر؟!



