الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

ما أصعب الكتابة عن الأستاذ الكبير «أحمد رجب» سيد الكتابة الساخرة التى تقطر صدقا ونبلا وسخرية!

رحل «أحمد رجب» ورحلت معه عشرات الحكايات والنوادر التى ترسم وتؤرخ لصفحات مهمة فى تاريخ الصحافة المصرية.
ولا أظن أن الأستاذ أحمد رجب ترك أو كتب مذكرات أو ذكريات عن مشواره فى الصحافة الذى طال وامتد لحوالى ستين عاما!!
 
 
 
فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية كان يصدر مجلة «أخبار الجامعة» وعبر صفحاتها انفجرت مواهبه الساخرة عبر مقالات وتحقيقات صحفية متميزة كانت حديثة الجامعة وقتها!
كتب يوما عن معيد شاب بكلية الحقوق فخور بغروره على الطلبة وكتب أحمد رجب يقول: المعيد الشاب يعتقد أنه غلطة مطبعية لكلمة عميد!!
وكتب عن الوحدة العلاجية بالجامعة وسوء أحوالها وأن الدكتور «رمزى» اسم الطبيب المسئول عن الوحدة - هو دكتور «رمزى» فعلا!!
وفى صيف 1952 كان الأستاذ «موسى صبرى» فى مكتب أخبار اليوم بالإسكندرية والتقى بالطالب الذى كان قد تخرج حديثا «أحمد رجب» وأقنعه بالانتقال إلى القاهرة، وأقنع «موسى صبرى» الراحل الكبير «على أمين» بهذه الموهبة القذيفة، وسرعان ما أصبح «أحمد رجب» محررا ثم مديرا لتحرير مجلة «الجيل» التى كانت تصدرها أخبار اليوم.
فى منتصف الستينيات من القرن الماضى كانت النخبة الفكرية والأدبية مشغولة بموضة جديدة اسمها «مسرح العبث» أو مسرح اللامعقول، لدرجة أن الكاتب الكبير «توفيق الحكيم» انضم إلى هذه الموضة العبثية وكتب مسرحيته الشهيرة «ياطالع الشجرة» واستوحى مضمونها الفكرى من أغنية شعبية تقول كلماتها العبثية: يا طالع الشجرة هات لى معاك بقرة، تحلب وتدينى بالمعلقة الصينى»!!
كانت الحركة النقدية والنخبة تمدح هذا العبث وغيره من مسرحيات مثل مسرحية «الكراسى» للكاتب «يونسكو» والمسرحية بطلاها زوج وزوجته يرتبان مقاعد المنزل ويدعوان زوارا افتراضيين أو وهميين إلى الجلوس وتنتهى المسرحية دون أن تسمع كلمة واحدة بين الزوج والزوجة.
منتهى العبث أو اللامعقول.
وذات مساء ذهب أحمد رجب إلى مسرح «الجيب» - الله يرحمه - وكان مخصصا لعرض هذه المسرحيات الطليعية، ليشاهد أحد هذه العروض العبثية أو اللامعقولة، ولم يفهم شيئا، بينما العشرات من حوله أشادوا بالمضمون الفكرى الثورى الطليعى الذى يناقش اللامنطق، المنطق، واللامعنى المعني!
وعقب وصوله إلى البيت أمسك بالقلم والأوراق وكتب كلاما غير مفهوم تماما من نوعية عبث العبث وعبثية اللاعبث وأسماه «الهواء الأسود» ونسبه إلى كاتب غربى غير معروف، وقام بنشره فى مجلة «.....» وطلب من النقاد أن يقولوا رأيهم فى هذا النص المسرحى الفريد!!
وكانت الفضيحة المدوية، فأحدهم وصف هذا الكلام الفارغ بأنها مسرحية شاعرية تجسد أزمة الإنسان المعاصر!! ومن قال إنها أهم ما قرأه فى السنوات الأخيرة!
وقام «أحمد رجب» بنشر كل تعليقات هذه النخبة ثم فضح الحكاية وكيف أنها كلام فارغ من تأليفه!! أما العنوان فكان من تأليف الأستاذ الكبير «مرسى الشافعى»!
فى كتابه البديع «أى كلام» يحكى أحمد رجب درس العمر الذى تعلمه من أستاذنا الكبير «على أمين» عندما أعطاه مقالا يتكون من 25 صفحة فولسكاب وطلب منه أن يختصر فى خمسة صفحات قائلا له: احترم وقت القارئ، اكتب باختصار وتركيز، لا وقت عند القارئ للت والعجن، هناك أدوات حضارية تنافسك كالراديو مثلا «!!!» فكن على مستوى المنافسة عندما تكتب اكتب باختصار وكأنك تكتب برقية ستدفع عن كل كلمة فيها قرشا».
 
إن «كلمة ونص» التى ظل يكتبها أحمد رجب طوال سنين طويلة كانت «أبرك» وتملأها البركة والصدق فكانت «أصدق» من الملاحم التى يكتبها البعض وتفيض بالسخافة والبواخة والموالسة، أما عن «الجهل النشيط» فحدث ولا حرج!! •
تم نسخ الرابط