بقلم : محمد نوار
الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الدينية المتطرفة يعتبر أكبر إساءة إلى الدين الذي جعل الإرهاب جريمة: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة 205، فمن نتائج الإفساد خراب الأرض وقتل الناس وهما نفس ما ينتج عن الإرهاب.
ومواجهة تلك الجماعات لا يتم أمنياً فقط لكن يجب مواجهتها فكرياً من داخل الدين، وهذا ما لم يتم فعله منذ بدأ الرئيس جمال عبد الناصر معركته مع الإخوان في 1954، وكانت نتيجة عدم مواجهة فكر الإخوان أن انتشر فكرهم وزاد عددهم ووصلنا لما نحن فيه الآن، وإذا لم يبدأ إصلاح سريع للفكر الديني فسوف ينتشر فكرهم ويزداد عددهم ويتكرر مرة أخرى ما حدث وما يحدث الآن.
والمواجهة تتم بإصلاح الفكر الديني لكشف أمراض المتطرفين من كراهية وتكفير وقتل، والتي هى منبع الإرهاب، ولن ينفع الإصلاح دون علاج هذه الأمراض، مع توضيح الفرق بين مظاهر التدين وبين حقيقة الدين.
فإصلاح الفكر الديني هو إصلاح ما تم إفساده من فكر وممارسة عملية للدين، فالإصلاح يهدم المفاهيم الفاسدة ويبني مفاهيم تتفق مع مقاصد القرآن لتصحيح العلاقة ما بين الفرد ونفسه وعلاقته مع الله تعالى ومع الأخرين.
ولذلك فطريق الإصلاح يحتاج الى أجيال متتابعة من أجل خلق حالة فكرية جديدة لتحقيق إصلاح ثقافة المجتمع،
وفي مواجهة الإرهاب يجب البحث عن المصدر الحقيقي لفكر الإرهابيين ومعالجته، ومنها مراجعة الفكر الديني، ومع أن الإسلام يدعو إلى السلام والرحمة، إلا أن فكر الإرهاب يظل موجوداً ليظهر حينما يبدأ الصراع على الحكم.
فالإصلاح لن يتم باستبعاد العامل الديني كما حدث في الغرب، لأن الدين عندنا مكون أساسي للثقافة، والمشكلة أن أصحاب الفقه التراثي التقليدي يقاومون أي محاولة للإصلاح والتصحيح.
فكيف يحدث التغيير؟، قال تعالى: (..إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ..) الرعد 11، وكلمة (بِأَنْفُسِهِمْ) تشمل المجموع والفرد فى العمل على التغيير المستمر للأفضل، ولذلك فليس علينا أن ننتظر أن يغير كل الناس ما في أنفسهم حتى يغير الله حالنا إلى الأفضل.
وعندما تصبح نسبة الذين غيروا ما بأنفسهم من الباطل إلى الحق نسبة معينة في المجتمع يحدث التغير بالنسبة للأخرين، أي أنه تعالى يتدخل في تغيير ما في عقول الناس من أوهام وخرافات عندما تصل نسبة من يسعون للتغيير إلى نسبة محددة، أو ما يسمى علمياً بالكتلة الحرجه لبداية التغيير في المادة، وتلك النسبة تبدأ من %15إلى25 % من مجموع التغييرات المطلوبة، وعندها يتحقق التغيير على مستوى الفكر والفعل.
والإصلاح يتضمن تهيئة الدعاة ورجال الدين ليكونوا علماء فعلاً: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر 28، فالعالِم ليس بحفظ النص, بل العالم هو واسع المعرفة والثقافة بالدين والدنيا, ويتم ذلك بخطة مدروسة طويلة الأمد, تضمن قبول المجتمع للتحول التدريجي من الاعتماد على النقل إلى الاعتماد على العقل .
والحل أن يبدأ إصلاح الفكر الديني من الآن حتى لا يتكرر حكم الإخوان ثانية، وحتى لا نشهد جماعات التطرف والإرهاب فى سيناء، وحتى لا يتم تقسيم مصر.
فعندما ندرك أن مشكلتنا بدأت من تغييب العقل والمنطق والموضوعية، وعندما ندرك أن الاعتراف بالخطأ هو الخطوة الأولى في سبيل الحق، وعندما ندرك أن العدو الأول للإسلام هو الفهم غير الصحيح للإسلام، نكون قد بدأنا الخطوة الأولى باتجاه إصلاح الفكر الديني.



