بقلم : محمد عبد الخالق
نعم ... أقولها بكل وضوح وإيمان ... نحن السبب فيما وصلت إليه ثورة 25 يناير، ويجب –طالما نصر على أن نلقب أنفسنا بالثوار- أن تكون لدينا الشجاعة بالاعتراف ومواجهة أنفسنا بالحقائق، وتحمل مسئوليتنا التاريخية، حتى نترك على الأقل درسا لأجيال ستلينا، نسأل الله ألا تتشابه ظروفهم وظروفنا.
فتعريف الشعراوي –رحمه الله- للثائر الحق بأنه "هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد"، ليس تعريفا جامعا مانعا ، ويمكن أن نضيف إليه تعريفات أخرى، مثل: الثائر الحق هو الذي يثور لهدف محدد واضح بخطة واضحة قابلة للتنفيذ.... أو نقدم تعريفا آخر من نوعية التعريف بالنفي، فتقول: الثائر الحق ليس هو الثائر الذي تتحول مظاهرته إلى ثورة تحركها الظروف والمواقف اللحظية، لأنه وقتها سيجد نفسه في الموقف الذي نقف فيه جميعنا الآن.
ألم يكن مغادرة الميدان عقب قرار (تخلي) مبارك غريب الصيغة، وقبل وضع خطة واضحة محددة للفترة الانتقالية خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم يكن استفتاء مارس اللعين، الذي قسم الشارع لـ(قوى مدنية – وقوى إسلامية – واللي مش عاجبه يروح أمريكا ولا كندا)، وما ترتب عليه من إعلان دستوري كارثي، كان أول طعنة في قلب الثورة، وقبولنا بالذهاب إليه، رغم تشدقنا بأن "الثورة التي تذهب للصندوق تموت"، ألم يكن خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم يكن اختيار استمرار الاعتصامات والإضرابات وغلق الطرق والميادين والمواجهة الميدانية مع قوات الأمن، التي لم يكن نجاحها في 28 يناير (رغم الثمن الباهظ الذي دفعه أبناء الشعب) يعني أنها الطريق الوحيد للثورة والتغيير، حتى كره الشارع الثورة والثوار واليوم الذي رحل فيه مبارك وبدأت بكائيات الاستقرار وعجلة الإنتاج ... ألم يكن خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم تكن معركة "محمد محمود" التي دفع الشباب الثوري بالنقي فاتورتها بالكامل، ورقة ضغط بها الإخوان على المجلس العسكري لتسليمه السلطة دون حتى كتابة الدستور، الذي كان من المقرر أن يتم كتابته والتوافق عليه قبل انتخاب الرئاسة حتى لا يستأثر به فصيل؟ ففي الوقت الذي كان أبوإسماعيل يحشد فيه في الميدان ثم يهرب كعادته، كان خيرت الشاطر يدلي بتصريحاته للصحف الأجنبيه بأن المتواجدون في محمد محمود بلطجية يريدون تعطيل العرس الانتخابي البرلماني ... هذه هي السياسة التي لعبها الإخوان بمهارة، حتى لو رفضتها ... ألم يكن هذا خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم يكن استنزاف الشباب .. قوة الثورة ونور أعينها... في كر وفر بالشوارع دون فائدة ضررا للثورة، أفقدها تعاطف الكتلة الحرجة الصامتة، وفرصة لأعدائها لشيطنتها وتحميلها كل أوزار الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية؟ فأين كانت الفكرة السياسية التي ستقف عليها الثورة لتحقيق أهدافها؟ لم يكن أحد يعرف أهداف الثورات تحققها السياسة؟ أم أننا كنا نعرف ولا نعمل؟ ... ألم يكن هذا خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم يكن الموقف المدني من انتخابات الرئاسة مزر وبائس ومحبط ولا يعبر عن أي قدر من الوعي ولو ضئيل؟ عميت أعيننا عن العدو الحقيقي الذي يتربص بالثورة من أول يوم، وانشغنا – أو شغلنا هو- بالنظام البائد والثورة المضادة إلى آخر هذه المسميات، وتركنا نتخبط ونفتت أصواتنا بين مرشحين فشلوا في التوحد جماعيا، وفشلوا في الإقناع فرديا، وشق هو في صمت طريقه ... ألم يكن هذا خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألم يكن سرياليا وضربا الجنون أن تفشل القوى المدنية في الاتحاد لتقديم مرشح للثورة، ثم تنجح في الإعادة أن تتحد وتتجمع وتضع يدها في يد أعداء الثورة وأعداء الشعب وأعداء الوطن ضد أحمد شفيق، ثم نسمع رموز هذه القوى الآن (النخبة) يعلنون ندمهم عن هذه اللحظة؟؟!! أعرف أن الاختيار كان صعبا، لكن أين كانت معرفتكم بالإخوان وأنتم من يتحدث عن فاشيتهم ليل نهار في التليفزيونات؟! ... ألم يكن هذا خطأ نتحمل نتيجته؟!
ألا تشعرون بالخزي والعار وأنتم تتابعون موقف التيار السياسي المدني التونسي، الذي وضعته الظروف في نفس موقفنا (الاختيار بين الإخوان أو التحالف مع رموز من النظام السابق)، وكيف انتصر التيار المدني لنفسه ... ألم يكن هذا خطأ نتحمل نتيجته؟!
نعم ... للأسف هذه رحلة ثورتنا، الحلم بالحرية والتخلص من نظام فاسد، تحول إلى كابوس لمدة سنة بنظام أكثر فسادا بالإضافة إلى إرهابه وفاشيته الدينية، وكشف "ضياع" القوى المدنية وعدم وجودها من الأساس، ووضعنا أمام حرب أهلية استدعت تدخل الجيش لإنقاذ الوطن.
هذا هو الوجه المظلم الذي يجب ألا نغفله، ليس من باب الإحباط أو نشر الظلام واليأس، وإنما لنتعلم منه إن أردنا ... والآن ليس أمام المصريين إلا خيار واحد، وهو الاتحاد لحماية هذا الوطن أولا ... فالأوطان عندما تضيع لن يكون هناك وقتها فرصة للنهوض أو لديمقراطية.



