بقلم : محمد نوار
من الأهداف الأساسية لإرسال الرسل وإنزال الكتب معهم هو إقامة العدل، قال تعالي: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد 25، فإقامة الناس للعدل هي إقامة لشرع الله من خلال محاولات الناس للوصول لهذا العدل بالجهاد السلمي، ثم الجهاد بالسلاح أو بالحديد ذو البأس الشديد.
وهكذا يستمر الجهاد الانساني بالفكر والكلمة والفعل لتحقيق العدل، ومن هذا الصراع المتكرر يثور المظلوم على الظالم فتسقط نظم الاستبداد والديكتاتورية حتى لا يتحكم الفساد في الأرض، كما في قوله تعالي: (..وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة 251.
وتعتبر مكافحة الديكتاتورية من أولويات المواقف المطلوبة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء 97، ولم يستثن منهم تعالى إلا الضعفاء من النساء والرجال والأطفال: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) النساء98 ، فقد سامحهم الله: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء99 ، ونلاحظ أنه تعالى لم يعفو عن القادر على مكافحة الاستبداد حتى ولو أدى العبادات، وأن العقيدة الإسلامية لا تقبل بالتسلط بكل أنواعه حتى ولو كان المستبد يصلي ويصوم.
فإذا اختار الناس السلبية والرضا بظلم الحاكم، تأتي مشيئة الله تعالى لتؤكد علي هذا الاختيار بتركهم يعيشون في ظل الديكتاتور الذي اختاروه وتركوه يظلمهم بسكوتهم عنه، مع أن الله تعالي لا يريد الظلم للناس: (..وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَاد) غافر 31، إلا أنه تعالى قرر الحرية للجميع حتى يكونوا مسئولين عن اختياراتهم ويحاسبهم عليها.
إن الحياة قائمة علي حرية الاختيار وتأتي مشيئة الله لتؤكد علي ما يختاره الإنسان بشكل فردي كالإيمان والكفر، أو الناس بشكل جماعي كالرضا باستبداد الحكام، ثم يأتي يوم الحساب ليلقى كل إنسان ما عمله حاضرا فيثاب أو يعاقب عليه.
وإقامة العدل على المستوى الفردي تتوقف علي مشيئة الإنسان وإرادته الحرة، وقد يلزم لهذا الاختيار الجهاد والنضال، ثم تأتي مشيئة الله تعالى لتؤكد علي هذا الاختيار: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت69 .
كما أن اقامة العدل على المستوى الجماعي في المجتمع تتوقف على مشيئة الناس وإرادتهم الجماعية الحرة لتحقيق العدل من خلال المبادرة بمقاومة الظلم السائد، وذلك باستبدالهم للقيم السلبية مثل الخضوع والتواكل والأنانية، بقيم إيجابية مثل الحرية والعدل والدفاع عن الحق، فالتغيير يجب أن يحدث في النفس والفكر بوجود إرادة قادرة فاعلة، ثم تأتي مشيئة الله تعالى تالية لتؤكد على إرادة الناس: (..إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ..) الرعد 11، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأنفال53 ، حيث أن التغيير يجب أن يبدأ من إرادة الناس من أجل تحقيق حياة أفضل.



