rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نوار

أساس صناعة الجهل هو منع الناس من التفكير، فالجهل ليس أمية الكتابة والقراءة فقط، وإنما هو عدم القدرة على تحكيم المنطق في القياس والتصرف، ومع الأيام تتحول الآراء والأقوال غير المنطقية إلى بديهيات لا تحتمل الجدل، ثم تصبح من مكونات ثقافة الناس، ولكى تستمر لا بد لها من استمرار انعدام التفكير والبحث والنقد، وإذا ارتبطت تلك الثقافة بالفكر الديني فإنها تتحول إلى ثقافة مقدسة يصعب نقدها.

 

في مثل هذه البيئة التى يتعلم فيها الناس تعليماً تلقينياً فإنهم يصبحون مستقبلين جيدين للثقافة السمعية فيصدقون ما يسمعون دون تفكير، ويتلقون أفكاراً دينية لا تتفق مع الدين ولا مع العقل، ومن الأمثلة أن الناس إذا سمعوا قائلاً يقول :"قال النبى صلى الله عليه وسلم ..."، فإنهم يصلون ويسلمون ويصدقون ما يقال بدون تفكير مهما كان الكلام مخالفاً للقرآن ولسيرة النبي وللعقل.

 

وفي القرآن الكريم يأتي الجهل تعبيراً عن فكر الكفر والشرك، فقد كان كفار ومشركي قريش يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام لتبرير عبادتهم للأصنام فأمره تعالى بالإعراض عنهم: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف 199، كما جاء الأمر بالحذر من سلوكهم: (..فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) الأنعام 35.

فالمشركون كانوا يجادلون بغير علم: (..قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) الأنعام 148، فاتباعهم للوهم أبعدهم عن الحق وجعلهم يكذبون.

ولذلك يجادل بعض الناس بالباطل ليثبتون لأنفسهم أنهم على الحق: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) الحج 8، وعبارة (وَمِنَ النَّاسِ) تعني أن الجدال بالباطل يتكرر فى كل زمان ومكان.

 

فالناس الذين يرضون بالجهل ويتكاسلون عن العلم يدفعون الثمن غالياً، فالجهل لم يعد مقتصراً على عامة الناس، والجهل لا يعني بالضرورة عدم المعرفة بالشيء، وإنما يعني أيضاً التعصب والتسلط على الآخرين.

 

وفي الأمثال: "عدو عاقل خير من صديق جاهل"، فالعدو نكون على حذر منه، وبما أنه عاقل فيمكن التفاهم معه، أما الصديق فلا نكون على حذر منه، وبما أنه جاهل فلا يمكن التفاهم معه لأن أساس التفاهم وهو العقل غير موجود.

 

لقد تم اعتماد فكر السلف كمرجعية ضد كل فكر نقدي حر فجمدت عقول الناس بالقهر، ثم تم إسقاط هذا الاستبداد الفكري على كل نواحي الحياة حيث أصبحنا نرى أنفسنا أقل من السلف في الفكر والاجتهاد.

 

وأصابنا هذا النوع من الاستبداد بداء الكسل الفكري ففوضنا الآخرين بالتفكير عنا، وتلقينا ما قالوه دون مناقشة، فالمهم عندنا من قال وليس المهم ماذا قال، لأن العلم مبني عندنا على الثقة وليس على المنطق العقلي.

 

لذلك فعلينا أن نسعى إلى الحوار بموضوعية، مع عدم تحويل الحوار إلى معركة شخصية، فالهدف ليس فقط في إثبات صحة الرأي، ولكن أيضاً الهدف في التعلم من الآخر مهما بلغت درجة خلافنا معه وصولاً إلى الحقيقة.

 

تم نسخ الرابط