بقلم : محمد نوار
لقد طال العهد على المصريين وهم يعيشون في ظل حكم الفرد المتسلط وذلك منذ قيام أول دولة عرفها الناس تاريخيا في مصر الفرعونية, في مصر الفرعونية كان الملوك يمارسون أسوأ أنواع التسلط في الحكم بادعاء الألوهية, وبعد عصر الفراعنة عاش المصريون في ظل الحكم الروماني مروراً بعصر البطالمة حيث كان الإمبراطور ممثلا للإله، فاستمرت العلاقة بين الحاكم والمحكومين على اعتبار أنها علاقة بين إله وعبيد.
وفي القرآن الكريم ورد ذكر فرعون كلقب يطلق على الحاكم المستبد والذي يدعي الربوبية كما في قوله تعالى على لسان فرعون: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) النازعات 24، (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) الزخرف51 ، ويدعي أيضا الألوهية كما في قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) القصص 38، فالحاكم المستبد يبدأ فيدعي بأن كل البلد ملكه الشخصي، ويتصرف على هذا الأساس ثم ينتقل إلى التصرف على أساس أن الناس ملكه أيضاً.
ثم تعرض المصريون للتسلط باسم الدين في زمن الفاطميين والمماليك والعثمانيين حيث كان الخليفة يعتبر ظل الله في الأرض، وترسخت جذور التسلط في الشخصية المصرية عندما خضع الناس لحكم المماليك القائم على القهر والفساد مما نتج عنه خوف المصريين من السلطة والذي ساهم في قبولهم لجميع أنواع التسلط فيما بعد.
وكان المماليك في البداية عسكر الوالي وجند السلطان ثم أصبحوا السلاطين والحكام, وترسخ وجودهم فى نسيج المجتمع وأصبح تراثهم أحد المكونات الأساسية له فأصيبت الشخصية المصرية بالسلبية السياسية بعد أن تعرضت للقهر والتسلط منذ حكم الفراعنة والرومان مرورا بسلاطين المماليك والعثمانيين.
لقد مر مصطلح الديكتاتورية خلال التاريخ بمراحل منها ديكتاتورية نظام القياصرة الرومان حيث كانت بعض الأزمات تستدعي حل مؤسسات الدولة مؤقتاً، ثم يتم انتخاب مجلس قنصلي يجمع السلطات في يده وينفرد بالرأي ليقوم بحل الأزمات المطروحة خلال فترة زمنية تنتهي بعدها صلاحية هذا المجلس, وكان الخوف من تمديد فترة حكم المجلس القنصلي أن يؤدي إلى حكم استبدادي لا ينتهي.
وبقى مفهوم الديكتاتورية غائباً عن الاستخدام تقريباً حتى جاءت ديكتاتوريات القرن العشرين وقامت بإحياء هذا المصطلح خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث تم اعتبار نظم الحكم القائمة على الشمولية والقمع نظماً ديكتاتورية, وقديماً لم تكن هناك ديكتاتورية للنظام والمؤسسات بل كان هناك الديكتاتور الحاكم الفرد, ونظام حكم الديكتاتور الروماني كان قانونياً ولم يكن له مؤسسات ديكتاتورية تابعة له, ويمكن اعتبار الديكتاتورية في عهد الرومان مثل حكومة مؤقتة مهمتها حل أزمة محددة.
وفي عصر النهضة صار الحكم الاستبدادي يستند إلى مؤسسات كاملة, والاستبداد كتعبير قديم هو ما يعني الديكتاتورية حديثا, وقد استعمل مصطلح الاستبداد في زمن الامبراطوريات بينما مصطلح الديكتاتورية يطلق على الأنظمة الجمهورية, ويعتبر النظام السياسي نظام ديكتاتوري عندما تكون كل الصلاحيات مجتمعة في يد الحاكم.
وفي القرن التاسع عشر عندما استخدم ماركس تعبير ديكتاتورية البروليتاريا وهى الطبقات الدنيا أو الفقيرة في المجتمع، حيث كان يعتبر أنه على البروليتاريا كطبقة إجتماعية أن تستخدم القوة في تحقيق أهدافها ووصولها للسلطة بالثورة على الدولة المستبدة، ويرى بعض الباحثين أن تعبير الديكتاتورية كتعبير سلبي بمعنى القهر والظلم بدأ استخدامه بعد الحرب العالمية الأولى وقد تطور مفهوم الديكتاتورية عامة وأصبح مرادفا لمفهوم الاستبداد والحكم المطلق.
وباعتبار أن التاريخ يعيد نفسه وأنه في كل مرة يعيد نفسه يكون أكثر تطوراً، فعلينا العمل على عدم تحول الأنظمة الجديدة إلى ما يشبه الأنظمة السابقة في الديكتاتورية ولكن بشكل أسوأ، فالنتيجة ستكون أيضاً أسوأ وأصعب في التعامل معها أكثر من سابقتها.



