الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

كانت الآنسة (سهير القلماوي) واحدة من أول أربع فتيات يلتحقن بكلية الآداب بالجامعة المصرية عام 1929..  وكانت الطالبة الوحيدة فى قسم اللغة العربية ومعها 13 طالبا هم كل الدفعة، ولم تكن تستطيع أن تنطق بكلمة عربية، فقد تلقت تعليمها كله فى كلية البنات الأمريكية حيث اللغة الإنجليزية هى أساس الدراسة. كما قرأت روائع الأدب العالمى.

 وحتى تتقن العربية، حرص والدها الجراح صاحب أشهر عيادة على أن يقرأ معها القرآن الكريم وكتب التفاسير خاصة تفسير مختصر لمحمد فريد وجدى، كما أحضر لها عددا من المدرسين ليشرحوا لها  كل ما يتعلق باللغة العربية من قواعد وبلاغة وأدب.


 وفى الجامعة احتضنها د. طه حسين عميد الكلية، الذى كان يعتبرها بمثابة (ابنته الروحية) وتخرجت فى قسم اللغة العربية وجاء ترتيبها الأول، وفى أثناء فترة الدراسة نشرت لها مجلات (اللطائف المصورة) و(العروسة والهلال) و(أبوللو) و(الرسالة)، كما أشرفت على صفحة نسائية كاملة فى صحيفة (كوكب الشرق) و(البلاغ).


وعند افتتاح الإذاعة المصرية سنة 1934 تم اختيارها لإلقاء بعض الأحاديث كل ثلاثاء وأيضا الإشراف على بضع صفحات من مجلة الراديو نظير مائة وخمسين قرشا فى الشهر وهو أول أجر تتلقاه فى حياتها!!


الطريف أن د. طه حسين عندما اشترى جريدة الوادى، كلفها بالإشراف على  صفحة الأدب وصفحة المرأة دون مقابل، وسرعان ما عرض عليها أستاذها (أحمد أمين) أن تكتب فى مجلة الرسالة ثلاث مقالات مقابل خمسة جنيهات رفضت لأنها وكما تقول: (لأنى لا أريد أن أكتب بأجر إلا فيما بعد)!!
 صدر أول كتاب لها (أحاديث جدتي) وكان عمرها 24 سنة وقتها، وعنه تقول:
كنت قد كتبت فى جريدة الوادى عام 1935 قصة أدبية عن (أمة كريمة والحمام) فيها ذكريات أيام جدى، ولما توفى والدى نصحنى أستاذى (طه حسين) أن أدفن أحزانى فى الكتابة، وقال: لماذا لا تؤلفين قصصا أخرى وتنشرينها كتابا، وكان هذا كتاب (أحاديث جدتي) يعبر عن عمق الفجوة بين جيلى ومن سبقه من أجيال!


 طبعت الكتاب على حسابى الخاص فى لجنة التأليف والترجمة والنشر وطبعت أربعة آلاف  نسخة، قال أستاذى.. أنت مجنونة.. أنا (طه حسين) أطبع ثلاثة آلاف!! قلت: وأنا فى غاية الغرور: أنت مقروء لأنك أديب ممتاز، وأنا أديبة ممتازة زائد أنى امرأة، وهذا فى حد ذاته طرافة تجذب القارئ !!


 ولم يبع من الكتاب إلا تسعمائة نسخة، وقامت الحرب، فاختفى من المخزن لأن غلافه كان مهما لصناع البلكونات، فهذا الورق المقوى لم يكن متوافرا فى السوق وكان هو غلافى الأنيق!!


 وكتب د. طه حسين مقدمة كتاب الآنسة سهير القلماوى ووصف أسلوبها «تحدثت إلى النفس المصرية وإلى القلب المصرى بلغة النفس المصرية والقلب المصري».
 ولم تكتف د. سهير القلماوى بذلك النجاح، بل حصلت على الماجستير فى موضوع أدب الخوارج فى العصر الأموى عام 1937 ثم الدكتوراه عن  (ألف ليلة وليلة) عام 1941، وقال عنها د. طه حسين: هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراة التى ميزتها كلية الآداب فى جامعة القاهرة، وبراعتها تأتى من مؤلفتها، فهى السيدة سهير القلماوى، ونحن أساتذتها قد عرفناها بجدها فى الدرس، ودقتها فى البحث واتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم .


 وهكذا أصبحت (سهير القلماوي) أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير ثم الدكتوراه، كما كانت أول امرأة تحصل على الجائزة الأولى من مجمع اللغة العربية سنة 1941.


 وتتوالى مؤلفاتها: الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس وترجمة العشرات من روايات شكسبير، وتأليف أكثر من ثلاثمائة قصة قصيرة.


 وأتوقف قليلا مع كتابها البديع (ذكرى طه حسين) الذى صدر فى الذكرى الأولى لرحيل عميد الأدب العربى أكتوبر 1974، وتروى فيه بعض ذكريات لها دلالة مع العميد، وكان ذلك عقب حصولها على الدكتوراه حتى سألها: ألا تصدرين كتابا آخر فى ألف ليلة وليلة؟ فقالت له: لا أريد أن أكون كبعض الزملاء يحملون رسالة الدكتوراة كعربة (الترمس) يسرحون بها عصرا أو يبيعون للمارة كل يوم حفنة منه، سأؤلف كتبا جديدة بعيدا عن ألف ليلة وليلة! فقال لها: رجعنا إلى الغرور لا بأس.. المهم ألا تكفى عن الدرس!!.


 وتكتب أيضا: إنك أبى لا فى العلم وحده، وإنما فى كل خطوة من حياتى، فمازال عقد زواجى يحمل إمضاءك، وأحبك زوجى (د. يحيى الخشاب)  ورعيته تلميذا لك قبل أن اعرفه، ومازلت أذكر معاملاتك بشأنى مع والدتى وكنت تسميها الدولة العثمانية لشدتها وتمسكها برأيها وفرض إرادتها على حياتي! أنت الذى أقنعتها أن أعين فى كلية الآداب معيدة، وكانت ترد مجرد اشتغالى عار عليه: وأنت الذى أقنعتها بأن اسافر فى بعثة إلى فرنسا، فاشترطت أن أكون فى صحبة أسرة مسافرة، وسفرتنى فعلا مع زميل له زوجة وولد.


 كتابى الأول كان بأمر منك عندما ملكنى الحزن على أبى، فجعلت تلاحقنى بكتابة الكتاب، كنت معى دائما فى كل خطوة من خطوات حياتى، كنت لى أبا حنونا وجدارا ضخما أستند إليه كلما احتجت إلى سند أو عون أو عزاء.


 أما فى مجال العمل العام، فقد أسست عام 1953 جمعية خريجات الجامعة، وكانت عضوا بمجلس الأمة ثم مجلس الشورى، وكانت محل تقدير المحافل الدولية. كما نالت جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 1977.


كل منصب تولته د. (سهير القلماوي) أضافت إليه بصمتها الخاصة، فهى أول امرأة تشغل منصب ودرجة أستاذ فى اللغة العربية، ثم أصبحت رئيس قسم اللغة العربية من سنة 1958 إلى سنة 1967، وعلى يديها درس وتعلم وتخرج مئات الطلبة والطالبات.


 وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 وكان حماسها شديدا لنشر إبداعات الأدباء الشبان، بل هى من تحمست لنشر أول دواوين الشاعر الشاب وقتها «أحمد فؤاد نجم»، وهو ديوان (صور من  الحياة والسجن) وهو القصائد التى كان ينشرها فى مجلة السجن عندما كان مسجونا ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها!


 ولعل من أشهر التلاميذ الذين تتلمذوا على يديها: د. جابر عصفور، ود. عبدالمنعم تليمة والشاعر الكبير (صلاح عبدالصبور)..


 وهناك ايضا من تتلمذ على يديها دون أن يكون فى علاقة مباشرة معها مثل الأديبة الدكتورة (نوال السعداوي) التى تقول عن هذه العلاقة:
 كنت طفلة فى المدرسة الابتدائية حين سمعت صوتها فى الراديو، صوت  قوى ممتلئ يشبه صوت أم كلثوم، إلا أنها لا تغنى لكن تتحدث فى الأدب والثقافة وتعليم المرأة، قال أبى إنها تلميذة طه حسين، هو الذى شجعها وهى أول مصرية تدخل الجامعة.


وعندما بدأت د. نوال فى نشر أول رواياتها (مذكرات طبيبة) على صفحات مجلة «روزاليوسف» كانت د. سهير تتابعها بل تتصل بها  تليفزيونيا قائلة: أنا سهير القلماوى قرأت روايتك فى مجلة روزاليوسف وأعجبتنى.. واصلى الكتابة يا نوال !


 وتضيف د. نوال السعداوى: كانت لحظة فى حياتى لا أنساها، كانت فى قمتها الأدبية، وكنت أنا فى أول حياتى، إن سهير القلماوى مثل طه حسين أحد الاعمدة الثقافية والأدبية فى بلادنا يجب ألا تندثر أعمالها بوفاتها.


 وما أكثر الكتابات والنصائح التى خصت بها د. (سهير القلماوي) الشباب فتقول لهم:


أقول لطلابى دائما إياكم أن تيأسوا، فالفشل مرحلة من مراحل الوصول إلى النجاح، تقبلوا الفشل بهذا المنطق وذاك الإحساس فتنجحوا!!
 وأهم ما أنصح به الشباب الأدباء: أولا شطب كلمة يأس من قاموس حياتهم مهما كان الوضع، ثم العمل المستمر والقراءة ثم القراءة والتليفزيون، ليس بديلا ولن يكون بديلا عن القراءة).


 ولن ينسى عشاق القراءة أنها كانت صاحبة فكرة إقامة أول معرض دولى للكتاب سنة 1969 الذى مازال مستمرا حتى الآن.
 باختصار د. (سهير) تاريخ لا ينسى !.•

تم نسخ الرابط