الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

فى عام 1946 قرر الشيخ «حسن البنا» إصدار جريدة يومية تحت اسم «الإخوان المسلمون» بجانب جريدة «الدعوة» الأسبوعية.. وبدأ «حسن البنا» فى البحث عن رئيس تحرير لجريدته، فوقع اختياره على الدكتور «سيد محمد باشا» أحد قادة الفدائيين فى ثورة سنة 1919، والذى تم اتهامه ظلمًا بالاشتراك فى محاولة اغتيال «سعد زغلول» عام 1926، وانتهى التحقيق معه بالحفظ وأصدر «سعد زغلول» قرارًا بتعيينه فى وزارة المعارف مشرفًا على المدارس الأجنبية، وجاء حادث اغتيال السردار ليقدم استقالته وتأمر وزارة المعارف بفصله نهائيًا.
 

وبدأ الرجل رحلة عمل فى المدارس الخاصة ثم افتتح لحسابه مدرسة النيل الثانوية بشبرا، وهنا تبدأ حكايته مع «حسن البنا»، وكما رواها لإبراهيم باشا عبدالهادى رئيس الديوان الملكى ورئيس الوزراء فيما بعد.


قال الدكتور «سيد محمد باشا»: ذات يوم جاءنى المرحوم الشيخ «حسن البنا» بوصفه زميلا «مدرس لغة عربية»، وقدم إلى نفسه بأنه أنشأ جمعية اسمها «جمعية الإخوان المسلمون» وأنه يرغب فى أن أكون رئيسها، وكان معه ستة من طلبة المدرسة الذين انضموا إلى الجمعية.


قلت له: وما هو دستورك؟! قال: القرآن، قلت: تبقى  دعوتك مايعة! قال: لماذا؟! قلت: تحكم بكتاب لا يفهمه على حقيقته إلا المتخصصون فى التفسير، المتضلعون فى اللغة وأكثر من ثمانين فى المائة عندنا أميون!! يا فضيلة الأستاذ يجب أن نعلم النشء أولاً أصول دينهم، ونرشد الشعب بقدر الإمكان بهذه الأصول من فوق منابر المساجد، ولا نتركها للخطباء فى خطبهم التى ينقلونها من الكتب الصفراء.


وبعد حديث طويل حاول أن يقنعنى بوجهة نظره وكان محدثًا لبقًا ولكننى مع ذلك لم أقتنع وقلت له: أنا شايف أن دعوتك ليس غرضها الدين وحده، وإنما لها هدف أبعد وهو هدف سياسى كما وقع فى ذهنى الآن.


فقال: وما الذى يمنع فالإسلام دين ودنيا، فقلت له: آه هنا مكمن الخطر، لا يا سيدى أنا لست معك!!
ومع ذلك ظلت علاقته بى مستمرة يستشيرنى فى كثير من المسائل وأقول له رأيى بمنتهى الوضوح ولا يغضب، وبعد أيام جاءنى الطلبة الستة الذين انضموا إلى الجمعية وأبلغونى أنهم انفصلوا عنها بعد مناقشات طويلة مع الشيخ «حسن البنا» وأنهم مقتنعون بوجهة نظرى.
وفى عام 1946 وبعد أن نشطت جماعة الإخوان المسلمين وأصبح لها كيان واضح وسمعة كبيرة ونفوذ كبير زارنى الشيخ «حسن البنا» بمكتبى فى وزارة المعارف وقد كنت مديرًا عامًا للتعليم وقال لى: سأنشئ جريدة يومية صباحية اسمها «الإخوان المسلمون» إلى جانب صحيفة الدعوة الأسبوعية، وتكون الجريدة الصباحية شأنها شأن الصحف اليومية فى معالجة شئوننا العامة الاجتماعية إلى جانب الشئون السياسية وأن يكون لها خط واضح وملتزمة بالسلوك الدينى بمعنى أنها لا تنشر إعلانات خمر وما شابه ذلك!!


فقلت له: وكم عندك من الأموال لإنشاء الجريدة اليومية؟! فقال: جمعت 250 ألف جنيه «مائتان وخمسون ألفا» قلت: طيب ده مبلغ كبير، اسمع يا شيخ حسن، ما هو الأفضل للنبات؟! أن ترشه بالماء أو ترويه ريًا حسنا من جذوره لينمو النبات النمو المفيد!! إن كنت عاوز دعوتك تنجح وتأتى بخير الثمرات فإنك تبدأ بفتح مدارس أهلية يكون فيها الدين مادة أساسية، وتعلم الطلبة التعليم العصرى الحديث وتهتم بتعليم اللغات الأجنبية على غرار المدارس الأجنبية فى مصر وغير مصر وتتخذها مثالاً يحتذى، وتتوسع بالتدريج فى إنشاء هذه المدارس حتى تعم مدن القطر.. وسيبك من مسألة الجريدة!!


فقال: دانا جايلك لكى تتولى شئون الجريدة وتكون ذراعى اليمين!! قلت له: لا ذراعك اليمين ولا ذراعك الشمال أنت بهذه الطريقة لن تنجح وهذا رأيى أصارحك به ثم أردفت قائلاً: وماذا تريد يا شيخ «حسن» من دعوتك أتريد أن تكون شيخ أزهر؟! قال: لا.. ولماذا لا أكون رئيسًا للحكومة وعندئذ أستطيع تنفيذ برنامجى الإسلامى!!


قلت: للأسف لن تنجح وانصرف! ولكنه مع ذلك ظل يتردد على فى مكتبى بالوزارة إلى أن وقعت حوادث القتل وتكرر الاعتداء على المتاجر والسينمات وغيرها، فأصدر «النقراشي» باشا أمرًا بحل الجمعية ومصادر أملاكها.


ودلالة الحكاية- إن كان لها دلالة- أن تلك الجماعة لم تتعلم شيئًا من دروس التاريخ والوطنية أيضًا أمس واليوم وغدًا وإلى آخر الزمان!! •

تم نسخ الرابط