بقلم : محمد عبد الخالق
يبدوا أن المصريين تعاملوا مع "التعليم" منذ القدم باعتباره شئيا مكملا للوجاهة الاجتماعية، لم نشهد على مر العصور اتجاها لأنواع وأشكال مختلفة من التعليم يحتاجها المجتمع وسوق العمل، رغم ترديد هذا الشعار منذ عقود طويلة.
ولو تتبعنا التاريخ على طريقة بداية فيلم "الناظر" للراحل علاء ولي الدين، الذي عرض تاريخ مدارس عاشور، سنجد أن منذ عصر الفراعنة كان التعليم قاصرا في المعابد على أبناء الملوك والنبلاء والطبقة الحاكمة، وبقفزة واحدة سريعة إلى العصر الحديث ومصر في بدايات القرن التاسع عشر والنهضة المصرية التي قادها محمد علي باشا، سنجد أنه "أجبر" واكرر للتأكيد "أجبر" المصريين بالاختطاف على تعلم تخصصات معينة في أوروبا يحتاجها لبناء دولته الحديثة، وفي عهد أبنائه وأحفاده كانت كلية "الحقوق" هى الكلية الأولى التي يلتحق بها أبناء الباشاوات والبهوات حتى أطلق عليها لقب "كلية الباشاوات".
ومؤخرا ومنذ السبيعينيات وحتى الآن أصبح لدينا مصطلح، لا أدري من صاحبه ولا من أين جاء، وهو مصطلح "كليات القمة"، لم يسأل أحد نفسه أية قمة هذه؟ وهل اللم به قمة وقاع وخيار وفاقوس؟؟ وهل باقي الكليات يمكن أن نطلق عليها كليات القاع أو كليات الحرافيش؟ والمفارقة أن كلية "الباشاوات" أصبحت من كليات القاع الآن.
السؤال: هل هناك كليات قمة حقا؟ ولماذا؟ ولماذا تسقط القمم وترتفع قمم أخرى؟
الإجابة: ما فيش حاجة اسمها كلية قمة ... ولا فضل لعلم على علم أو لتخصص على آخر.
الدليل: أن ما يسمى "كليات القمة" التي يقتل الطلبة وأولياء الأمور أنفسهم عليها وتشترط مجاميع هلامية، أصبح دخولها الآن لا يتطلب سوى 60% وأحيانا أقل في الجامعات الخاصة، فالدراسة إذن لا تتطلب عقلية متفوقة فذة، وإنما تتطلب توفير أماكن كثيرة في الكليات الحكومية حتى تنتهي هذه الأكذوبة، أو توفير آلاف الجنيهات في جيب ولي الأمر ليلحق ابنه بهذه الأكذوبة.
فهذه الكليات -التي يطلقون عليها "كليات قمة"- مجرد أكذوبة "ومش قمة ولا حاجة"... والموضوع مجرد سمعة وعرض وطلب وهرولة وراء أسماء رنانة للتباهي ليس أكثر، ليقول الأب أو الأم: إبني في كلية اقتصاد وعلوم سياسية أو في كلية الألسن، ولولا اشتراط نقابات الطب والصيدلة والهندسة مجاميع معينة للطلبة المتخرجين من الكليات الخاصة لأصبح دخول الطب أيضا بـ60% ولا عزاء لأوائل الثانوية العامة.
وعندما يقول القائمون على الكليات كذبا -لضمان الإقبال من الحالمين بكرسي في القمة- كما جاء في أحد الأخبار الخاصة بتنسيقهم: "تم الإبقاء على الحدود الدنيا لبعض الكليات وهى "الطب البشرى 95%، وطب الأسنان 90%، والهندسة 85%، والصيدلة 90%، وذلك لكثرة عدد الطلاب المتقدمين لتلك الجامعات"، وأقول كذبا لأن نقابات الأطباء والصيادلة والمهندسين أعلنوا عدم قيد أي طالب بعضويتها، لا يكون حاصلا على مجموع معين، لمواجهة "كروت الشحن المدفوعة مقدما" التي يطلقون عليها شهادات جامعية ... ولولا هذه القرارات لأصبح دخول الطب والهندسة بـ65%.
نحن إذا أمام احتمالين، الأول، وهو أن الموضوع ليس به قمة ولا قاع، ويجب أن نتخلص من أمراضنا النفسية وعقد النقص التي أوصلتنا إلى الحضيض، ونبحث عما نحتاجه ويحتاجه سوق العمل، مؤمنين أن الإنسان الناجح هو الناجح في عمله أيا كان هذا العمل.
والاحتمال الثاني أن هذه الكليات متميزة حقا وتحتاج طالبا متفوقا ومتميزا، وهنا يكون ما يحدث في الجامعات الخاصة إهدارا لكل قيمة علمية بل وإنسانية وأخلاقية ... وهنا يجب أن نقولها صريحة اللي هيدفع هياخد الشهادة اللي عاوزها ... واللي ماعهوش ما يلزموش ...
بلد شهادات صحيح.



