الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

تمنيت لو امتلكت (حمارا) مثل (حمار توفيق الحكيم) فى ذكائه وحصافته ونباهته وحواراته (الحكيمة) مع (الحكيم نفسه)!
 لقد حرص أمير المسرح العربى وسيده (توفيق الحكيم) على أن ينشر أغلب ما دار بينه وبين (حماره) فى عدة كتب نفدت ويعاد طبعها ولن تمل من متعة قراءتها ودلالة وعبقرية ما جاء فيها.

 وبالصدفة عثرت على كتاب ثمين للأستاذ (توفيق الحكيم) (عصا الحكيم  فى الدنيا والآخرة) وهو عبارة عن حوارات بين (الحكيم وعصاه) حوارات نشرها الحكيم قبل ثورة يوليو 1952 للإفلات من الرقابة والرقيب فكان هو الذى يسأل والعصا هى التى تجيب !!  وكأنه توارى خلف عصاه أو عكازه ليقول ما يشاء وبحرية لا حدود لها.
 هذا الكتاب الذى يزيد عمره على 65 سنة لا تزال أفكاره طازجة وساخنة وكأنها وجبة دسمة لا وجبة بايتة لا طعم ولا ريحة.
 رحت أقلب صفحات الكتاب مندهشا من بصيرة الأستاذ (الحكيم) الذى يكتب فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى وكأنه يكتب عن أحوالنا الآن.
 ويقارن (الحكيم) بين حماره وعصاه فيقول: (عرفتها أو قل حملتها منذ نحو ربع قرن، منذ أن كنت وكيلا للنيابة فى مدينة طنطا، منذ ذلك التاريخ وهى تلازمنى كأنها جزء من ذراعى، تنتقل معى وتسير من مصير إلى مصير، لا تضجر منى ولا تزهد فى صحبتي، لو أنها كانت ابنة من لحم ودم لقالت لى اليوم : دعنى إنى لست من جيلك !! والتفتت إلى زوجها وبيتها !! ولكن  عصاى لم تعصنى بل تبعتنى وأطاعتنى وقاسمتنى الأيام البيض والأيام السود !!
 إنها ليست مثل (حماري) الذى تركنى وجرى إلى ميدان السياسة وانغمر فلم يعد فى مقدورى العثور عليه أو تمييزه بين السياسيين !! إن عصاى معى دائما تسمع كل ما يدور حولى وتهز رأسها فى يدى عجبا أو سخرية أو صبرا وتكتم كثيرا وتهمس قليلا، وما من شك عندى فى أنها تريد أحيانا أن تتكلم ولكنها تصمت أربا، لأنى لم أدعها إلى الكلام، وأظن من حق هذه العصا أن أصمت أنا وأقدمها  هى وأدعوها إلى الكلام تقول لنا كل ما يجيش بصدرها من شئون الناس والفكر والمجتمع !!
••
تحت عنوان (الهبوط إلى الشارع) قالت العصا للحكيم :
- لست أدرى هل تلاحظ هذه الظاهرة العجيبة فى مصر اليوم ؟!
- سألها (الحكيم):  أى ظاهرة ؟! فأجابت (العصا) قائلة : كل شخص فى مصر يريد أن يهبط إلى الشارع ويتملق  رجل الشارع، الساسة والعلماء والقضاة والأدباء والفنانون والمفكرون، ما من واحد من هؤلاء استطاع - إلا فى النادر - أن يفكر بعقله لا بعقل الجماهير، وأن فى ذلك خطرا كل الخطر على أمة لم يتم لها النضج والرقى، لأن انقراض طائفة (الخاصة) التى تفكر بعقلها الممتاز وتقود الشعب وتبصره وتنهضه وتهديه، معناه زوال الرأس من جسم الأمة !! هل رأيت جسما يسير بغير رأس ؟!
 وقال (الحكيم) لعصاه متسائلا : أهذه الظاهرة خاصة بمصر وحدها؟! إنها ظاهرة عامة فى كل بلاد العالم، إنها سمة العصر الذى نعيش فيه أن رجل الشارع فى كل أمة هو الذى يقرر اليوم مصيرها !!
 قالت (العصا) للحكيم : ربما كان رجل الشارع فى كل أمة متحضرة هو الذى يريد، ولكنه ليس هو الذى يفكر، وأنى أتحداك أن تدلنى على أمة راقية ترك فيها العلماء والمفكرون والساسة معاملهم وبحوثهم ومذكراتهم ودراساتهم وشغلوا بالتوافه التى تشغل العامة واهتموا بالحصول على رضا الناس الرخيص !!
 فقال (الحكيم) : حقا ليس لدينا بعد هذا الطراز  من العلماء والساسة والمفكرين الذين يعيشون حياتهم فى معمل أو مبدأ أو فكرة، ولكن رضا رجل الشارع هو دائما المطلب الذى يسعى إليه قادة الأمم الكبرى !!
 فقالت العصا : فكر قليلا ترى أن رجل الشارع فى الأمم الراقية هو الذى ارتفع، ولكن القادة فى بلادنا هم الذين انخفضوا !!
 وفى مقال آخر قالت العصا : إن لمصر ثلاثة أعداء، قال الحكيم : أعرف،  الجهل والفقر والمرض !! قالت العصا : لا بل الدجل والتهريج والنفاق !
 فقال (الحكيم) : حقا حقا الدجل والنفاق والتهريج تلك هى الأعداء الثلاثة التى يجب أن نحاربها أولا قبل أن نرى لمصر مستقبلا !!
 وفى مقال بديع عنوانه (نوع  من النبوغ) قالت العصا : يخيل إلى أن فى مصر خبيرا عبقريا مهمته الدقيقة هى أن يضع كل شيء فى غير محله ؟!!
 رد (الحكيم) قائلا : هذا صحيح، فإن هذه الدقة والإجادة والإتقان والتفنن فى وضعنا الأشياء فى غير محلها قد بلغت حدا لا يمكن أن نعزو فيه الأمر إلى مجرد الفوضى أو المصادفة أو الهوى !! إنما هى سياسة مرسومة أو خطة موضوعة أو برنامج مقرر، لكأن لدينا حقا رجلا ممتازا موهوبا، فإذا قيل له نريد اعتمادا لإدخال ماء الشرب فى القري.
قال : إصنعوا بالمال دارا فخمة للبريد !! وإذا قيل له: دبر لنا دولارات لشراء أدوية وآلات! قال: بل اشتروا بها جوارب وسيارات إلخ!
قالت (العصا) للحكيم : أو تظن من السهل دائما إتقان هذا الفن ؟! إن الذهن الذى لا يخطئ فى وضع الشيء فى غير محله، لا يقل نبوغا عن الذهن الذى لا يخطئ فى وضع الشيء فى محله، وكل أمة لها نوع النبوغ الذى تستحقه !!
••
 ونأتى لموضوع (دواء الغلاء) حيث تقول (العصا) للحكيم : لا حديث للناس اليوم إلا عن الغلاء، هذا الداء المستعصى الذى تعبت الرءوس وكلت الهمم فى البحث عن علاجه ألا ترى له من دواء ؟!
قال (الحكيم) فلنبحث أولا عن أصل هذا المرض، بعيدا عن نظريات العلماء والخبراء أنه فى حقيقة الأمر لا يختلف كثيرا عن أى مرض من تلك الأمراض التى قيل فيها قديما (البطن أصل الداء والحمية رأس الدواء)، فمهما يكن من قوة الأسباب الاقتصادية أو غيرها مما يؤثر فى السوق ويرفع الأسعار فإن السبب الأكبر هو فى أيدينا نحن بل فى بطوننا، فمواد الطعام من لحم وخبز وفاكهة وأرز لن ينخفض سعرها كثيرا فى أى يوم مادمنا نريد أن نضعها على موائدنا فى  كل يوم، إن شراهة المنتج والبائع إنما تنبع من شراهة المشترى والمستهلك!!
 وإليكم تجربة تثبت ذلك بالدليل، قوموا معشر المستهلكين بحملة واسعة النطاق واستخدموا فيها الصحف والإذاعة وجميع طرق النشر لتحديد الأصناف وتنظيم  ألوان الطعام لكل قادر وكل بيت، محذرين من أكل الفاكهة  أكثر من مرتين فى الأسبوع (!!) واللحم أكثر من ثلاث مرات (!!) والأرز أكثر من مرتين أو ثلاث، واحملوا حملة شعواء على الإسراف والتبذير والترف فى المأكل والملبس وروجوا للقناعة والبساطة، ولا أقول للزهد والتقشف، كما فعلت إنجلترا منذ عامين فنجحت لا فى مقاومة الغلاء فقط بل فى القضاء على أزمتها المالية !!
افعلوا ذلك بكل وسيلة وأنتم ترون العجب : إن الكروش ستختفى !! وينقص الترهل ومرضى السكر وضغط الدم وتنقص الأسعار وتعمر الجيوب ويطعم الفقير والغنى !!
قالت العصا :  حقا  لافائدة عن علاج الغلاء قبل أن نعالج بطوننا وترفنا، لا شيء يقتل البائع الطامع غير المشترى القانع.
 • وعلى هذا النحو البديع والرائع تمضى محاورات الحكيم  مع عصاه ومن أجمل العبارات التى نطقت بها (عصا الحكيم) هذه العبارات المتفرقة :
 إن الفن واسع ولكن عقول الناس هى الضيقة!!
 إن أغلب البشر لا يستطيعون ولا يريدون أن يكون لهم رأي، إنما هم يستسهلون أن يرتدوا الآراء التى تصنع لهم صنعا !
إن الأمة الحية يحيا فيها أمواتها، والأمة الميتة يموت فيها أحياؤها !!
الرجل العظيم ذلك الذى يجعل من أحلامه حقائق تعيشها الناس وليس بعد (كلام) الحكيم وعصاه كلام، متى تعثر (مصر) على عصا تشبه تلك العصا الحكيمة الرائعة. •

تم نسخ الرابط