الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 

الفن الحقيقى ليس قلة أدب، والإبداع الحقيقى لا يعرف السوقية والابتذال، والنضال الحقيقى ليس هو الشعارات والجمل الرنانة والوقفات الاحتجاجية عمال على بطال.

 

 

ما أسهل المقاومة بالشعارات، وما أسهل النضال برص الكلمات بجوار بعضها لتخرج مسجوعة أو ملسوعة!!

 

وما أكثر الذين قاوموا بجد وصدق دون ابتذال أو رخص، وما أكثر الذين قالوا «لا» لطغيان واستبداد الحاكم ونظامه دون أن يستطيع النظام أن يقمعهم أو يقصف قلمهم أو ريشتهم!!.. ولعل الفنان «بهجت» أو «بهاجيجو» كان واحداً من هؤلاء العظام، لم يساوم ولم يهلفط بالشعارات أو يشخبط بالخطوط أو يزعم أنه قال «لا» فى زمن كان الجميع يتسابق على قول «نعم» بالكلمة والريشة والطبلة والدف والصاجات ورقصنى ياجدع!!

 

 

وهذا الأسبوع صدرت طبعة جديدة من واحد من أروع وأجمل وأشجع كتب عم بهجت الكاريكاتيرية وهو «الديكتاتورية للمبتدئين: بهجاتوس رئيس بهجتيا العظمى» وراح بهجت بريشته السهلة العبقرية يرسم أحوال الحاكم الطاغية «بهجاتوس» فى كل حالاته: حاكما وحالما ونائماً ومثقفاً ومصقفاً، وجالساً وقاعداً وجاهلاً ومتعالياً ومتعجرفاً، وكاتبا وشاعراً و...

66 صفحة هى حجم الكتاب المدهش مع مقدمة للدكتور على الراعى والصحفى العربى الكبير «طلال سلمان» الذى أسعدنى فى سطور مقدمته أن يقول:

 

«بالنسبة لجيلنا فقد تعرفنا إلى النمط الأرقى من الكاريكاتور المصرى عبر مجلة «روزاليوسف» ثم عبر مجلة «الهوى والشباب والأمل المنشود» التى صدرت فى أواخر الخمسينيات «صباح الخير».

وفى «صباح الخير» تحديداً بدأت علاقتى مع بهجت عثمان عبر «فراخه» الشهيرة وكذلك مع صلاح جاهين عبر قهوة النشاط، ومع تلك الكوكبة من الرسامين والكتاب الشبان الذين أبدعوا لنا مجلة للفرح مازالت نموذجاً فريداً فى بابها حتى اليوم.

 

وفى صباح الخير ومعها روزاليوسف اكتشفنا لفن الكاريكاتير دوراً سياسياً من الدرجة الأولى، وعبر هاتين المجلتين وبعد ذلك فى الصحف المصرية ثم بعض الصحف اللبنانية استعاد رسام الكاريكاتور اعتباره كمبدع وكداعية ومحرض ومبشر بالغد الأفضل».

ويصف طلال سلمان كتاب بهجت عثمان بقوله: دليل القارئ العربى للخلاص من الدكتاتورية والطغيان!

 

ويضيف فى كلمات بالغة الدلالة: «لقد ضحك الحكام منا طويلاً وسخروا منا حتى ملوا، فلا بأس أن نضحك منهم وأن نجعلهم موضوع السخرية والتندر».

 

ويشير د. على الراعى فى مقدمته «الكاريكاتور مسرحاً» كيف أنه أعاد قراءة مسرحية عميد الدراما الأمريكية «يوجين أونيل» وهى الإمبراطور جونز وكتب عنها مقالا فى مجلة العربى الكويتية عام 9791 عن ذلك الإمبراطور الذى رتب أموره على نحو يكفل له النجاة من قبضة شعبه، إذا ما ثار عليه هذا الشعب يوماً ما: وضع الأموال التى نهبها فى أحد المصارف الأجنبية، وخطط كى يستقيل فى الوقت المناسب، ويهرب ويعيش ناعم البال!!

 

 

قرأ الفنان بهجت ما كتبته ولفت نظره ما لفت نظرى من شبه عائلى بين هذا الإمبراطور المزيف وبين حكام العالم الثالث فى أفريقيا خاصة، ومن ثم ابتكر شخصية بهجاتوس ووضع فيها شيئاً من ملامحه هو حتى يدرأ عن نفسه بعض الحرج، ثم جعل يحرك هذه الشخصية فى مواقف كثيرة مألوفة من حكام العالم الثالث، بهجاتوس هو رئيس بهجاتيا العظمى، وبطاقة استفتاءاته تحمل  كلمات: نعم، نعمين، نعمات، ومقولاته العظيمة تفيض بالحكمة، اغسل يديك قبل الأكل وبعده! وفى حالات الانقلاب والانتفاضة وثورة التصحيح تظل هناك صورة واحدة لا تتغير هى صورة الزعيم الكبير بهجاتوس: الموت لمعارضيه، والأوسمة والسيارات الفاخرة ومظاهر التكريم لكل من يشيد بحكمته وعدله وديمقراطيته وهو القارئ الأول والمعلم الأول.

 

هذه بعض سمات «بهجاتوس العظيم تقطير وتركين لمساوئ الحكام فى كثير من دول العالم الثالث، حيث الديمقراطية كلمة تقال، والقانون هو شريعة الغاب والحرية اسمها الطوارئ.

بهذا يصبح الرسم الكاريكاتيرى بحثاً فى أحوال الوطن على شكل رسوم».

 

 

ما أكثر  الحكايات والحواديت ذات الدلالة الإنسانية والسياسية التى كان يمتعنا بها عم «بهجت» فى زياراته العديدة لأصدقاء عمره هنا فى صباح الخير: الأساتذة الأفاضل: علاء الديب، صبرى موسى، زينب صادق، عبدالله الطوخى، نهاد جاد، وينضم إليهم رؤساء التحرير: حسن فؤاد، جمال كامل، لويس جريس، مفيد فوزى، رءوف توفيق.

 

حكايات وذكريات لا تنتهى، فقد كان بهجت لا ينسى أبداً أن مدرسة روزاليوسف هى التى احتضنته رساماً وفناناً ثم أطلقته نجماً ساطعاً فى سماء الكاريكاتير العربى، بصمة يندر أن تتكرر!!

 

 

تم نسخ الرابط