الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

الدكاترة «زكى مبارك» وليس «دكتور» واحدا!

هكذا كانت تطلق الصحافة وأهل الفكر والأدب على الأستاذ والأديب والعالم والمفكر والشاعر والناقد والصحفى «زكى مبارك»!

لم يكتف زكى مبارك بالحصول على دكتوراة واحدة، بل حصل على ثلاثة دكتوراة، فأصبح أسطورة عصره وزمانه. كان جريئا وشجاعا لا يكتب إلا ما يؤمن به حتى لو أثار غضب الدنيا عليه.. كان من تلاميذ د. طه حسين، لكنه اختلف معه بعد خروجه من الجامعة فشن حملة قاسية وجارحة على د. طه حسين وكتب فى جريدة «البلاغ» يقول: «لقد ظن طه حسين أنه انتزع اللقمة من يد أطفالى، فليعلم حضرته أن أطفالى لو جاعوا لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه، ولكنهم لن يجوعوا مادامت أرزاقهم بيد الله..».

بدأ زكى مبارك حياته الصحفية عام 1914 عندما كان عمره وقتها 22 عاما بمراسلة بعض الصحف، وتندلع ثورة 1919 فيشارك فيها خطيبا مفوها، ويتم اعتقاله لفترة من الزمن، ويحصل على الشهادة الأهلية عام 1919، ثم ليسانس الآداب من الجامعة المصرية بعدها بعامين، ثم دكتوراة الآداب سنة 1924 عن «الأخلاق عند الإمام الغزالي».

ولم يكتف زكى مبارك بذلك، بل سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة فيحصل على دبلوم الدراسات العليا فى الآداب عام 1931، ثم الدكتوراة من جامعة السوربون بموضوع «النثر الفنى فى القرن الرابع الهجري».

وبعد العودة إلى مصر يحصل على دكتوراة «التصوف الإسلامي» من الجامعة المصرية عام 1937.

كانت جريدة «البلاغ» لصاحبها الأستاذ عبدالقادر حمزة قد نشرت له حوالى ألف مقال فى جميع مجالات الكتابة، وفى الكثير منها ملامح من سيرته الذاتية، وحسنا فعلت ابنته الأستاذة كريمة مبارك عندما أصدرت كتاب «زكى مبارك بقلم زكى مبارك»، عام 2012 وقراءة الكتاب متعة لا حدود لها.

يقول زكى مبارك «ولدتنى أمى فى الخامس من أغسطس سنة 1891، فأضيف إلى الوجود خير جديد وشر جديد»، ويقول أيضا: إن الذخيرة الباقية فى حياتى هى أننى أعيش بروحى وقلمى، إنه روح لطيف وقلم نظيف، فما استطاعت حكومة مصرية أو غير مصرية أن تستأجر قلمي»!

وعن منهجه فى الكتابة يقول: «أنا أكتب فى جرائد الوفد المصرى بمبادئ الحزب الوطنى، و«سعد باشا زغلول» فى نظرى شخصية مصرية أصيلة، ومبادئ الحزب الوطنى توصى باحترام الأصائل من عظماء الرجال».

ابتدأت أكتب فى جريدة الأفكار سنة 1914، وفى سنة 1921 كنت رئيس تحرير جريدة الأفكار وكانت تنطق بمبادئ الحزب الوطنى، وفى إحدى مقالاته يقول: «كل إنسان فى مصر يريد أن يشتغل بالسياسة مع أن الوطنية الصحيحة هى أن تحسن عملك لتصير عضوا نافعا فى أمتك».

أنا لا أنتظر من كل شخص أن يكون رئيس وزراء فهذا مستحيل، وإنما أنتظر أن يؤدى كل شخص واجبه على الوجه الأكمل والأفضل والأمثل.

لا توجد فى الحياة مهنة حقيرة، وإنما يوجد فى الحياة ممتهنون حقراء وهم الذين لا يؤدون واجبهم على الوجه الصحيح.

يجب أن تكون لك غاية من حياتك وهى أن تكون حجرا فى بناء المجتمع، والمجتمع طبقات، فالمجتمع الأول هو مجتمع البيت، فحاول أن تكون خير من فى البيت، والمجتمع الثانى هو الوطن فحاول أن تكون خير أبناء الوطن، والمجتمع الثالث هو المجتمع الإنسانى فإن استطعت أن تؤدى خدمة للإنسانية بفكرك وعقلك وعلمك فستكون من أقطاب هذا الوجود..».

يجب أن ننتصر على أنفسنا قبل أن ننتصر على الحكومة، فأنا أستطيع بعشر مقالات أحارب بها خصوم الحكومة أن أكون من كبار الأغنياء ولكن أستاذنا الشيخ «يوسف الدجوي» علمنى أن المجد كالرزق فيه حلال وحرام».

كان الدكاترة زكى مبارك غزير الإنتاج حتى إنه كتب يقول: أنا أكتب فى كل يوم وفى كل ليلة وتحت يدى عشرات  من المقالات وعشرات من القصائد، ومن ذلك المحصول الضخم أستطيع منح محررى «البلاغ» إجازة يستريحون فيها أسابيع وأسابيع..».

«ومن المواقف التى لا تنسى فى مشوار الدكاترة زكى مبارك» قصة فصله من وزارة المعارف فى أغسطس عام 1945 فيكتب خطابا ناريا إلى الوزير «عبدالرزاق السنهوري» بك بدأه بالتحية والسلام وأنهاه بالهجوم والسخرية، يقول:

صديقى العزيز إليك تحيتى وعليك سلامى

ثم أذكر أنى قرأت فى إحدى الجرائد أنك فصلتنى من عملى بوزارة المعارف، فإن كان الخبر صحيحا فاسمع جوابي:

فى أى شريعة يجوز فصل موظف من عمله بدون تحقيق؟! ستعرف منى ما لم تكن تعرف فاسمع: إن كان هناك موظف يجب فصله من وزارة المعارف فذلك الموظف هو أنت! فقد صيرتها بالكسل الجميل وزارة بلا وزير!  ويجب أن تعرف أيضا أنك لا تملك فصلى من عملى، فلست موظفا عندك وإنما أنا موظف عند الدولة المصرية والدولة بصحة وعافية ولن تستطيع إعلالها بعلمك وفضلك!

ويمضى زكى مبارك قائلا فى تحد للوزير: اخدم وطنك مرة يا معالى الدكتور، اخدم وطنك بإعفاء وزارة المعارف من وجودك، وإن لم تكن موجودا فيها بالموجود».

ثم يروى هذه الواقعة، «كان لجريدة البلاغ مندوب يكتب عن وزارة المعارف أخبارا صحيحة تؤذى وزير المعارف وهو «السنهوري» باشا فسأل المخبرين السريين عمن يقدم الأخبار إلى البلاغ فأخبروه أن الدكتور زكى مبارك يزور جريدة البلاغ ثلاث مرات فى الأسبوع فكتب السنهورى بخطه الجميل: الدكتور زكى مبارك مفتش المدارس الأجنبية ينتدب للعمل بدار الكتب المصرية!

وكنت أعرف أن دار الكتب المصرية هى المنفى للمغضوب عليهم فسألت «محمد بك حسين» مراقب التعليم الصناعى فقال: السنهورى عنده أخبار بأن ما ينشره البلاغ نقدا لوزارة المعارف من إملائك!

ويمضى زكى مبارك قائلا: التفت السنهورى فوجد أن إخراجى من وزارة المعارف لا يكفى لأنى أستاذ فى المعهد العالى لفن التمثيل وهو معهد أنشأه الأستاذ «فؤاد سراج الدين» يوم كان وزير الشئون الاجتماعية،  وكنت آخذ من محاضراتى بالمعهد نحو عشرين جنيها، ولكن خطابا يصل من السنهورى وفيه أن التدريس بالمعهد مقصور على المدرسين بوزارة المعارف، سلمت على تلاميذى وخرجت والدمع يتفجر من قلبي!

وعن تجربته فى المعهد يقول: يسرنى ويشرح صدرى أن أكون أول أستاذ للآداب العربية بالمعهد العالى لفن التمثيل، وقد أحبنى الطلبة وأحببتهم، عندنا طلبة شغلهم فنهم عن دروسهم فصاروا بالفطرة ممثلين ولن يصلحوا لغير فن التمثيل وأنا أقترح منحهم مكافأة شهرية على نحو ما تمنح للطالبات، عندنا طالب اسمه «شكرى سرحان» وهو غاية فى المهارة المسرحية وأنا اعتقد أنه سيصير كوكبا من ألمع الكواكب وأنا أقترح إرساله فى بعثات!

جاء ذلك الاقتراح من زكى مبارك فى فبراير عام 1946 أى منذ حوالى 65 عاما بالضبط.

••

«لقد خرجت من خدمة الحكومة المصرية ثلاث مرات بلا مكافأة ولا معاش وقد عرفت أن المكافأة والمعاش هما الظفر بإعجاب قرائى ولو بقيت مدرسا بالجامعة المصرية كما كنت أو مفتشا بوزارة المعارف كما كنت لضاعت هذه الثروة الأدبية».

إن الثروة الأدبية بلغت الألف مقال و45 كتابا أثرت وأغنت المكتبة العربية منها: عبقرية الشريف الرضى، بين آدم وحواء، العشاق الثلاثة، حب ابن أبى ربيعة، ومى بغداد، ليلى المريضة فى العراق، مدامع العشاق..  وغيرها، ويعترف قائلا: «لقد نظمت أكثر من ثلاثين ألف بيت فى غرض واحد وهو التغنى بالحب».

ومن دواوينه: «ألحان الخلود» و«أطياف الخيال» و«أحلام الحب» و.. و

ومن أطرف ما يرويه الأستاذ حافظ  محمود شيخ الصحفيين قوله:

«بلغ من عناية زكى مبارك بأدب الهوى أنه قد اتخذ منه شعارا للتحية، فكانت تحيته للأصدقاء فى الصباح هي: «صباح الهوي»، وفى المساء هى «مساء الهوي»!

ولا تكفى السطور السابقة للاعتراف بفضل هذا الرجل أسطورة عصره!. •

 

تم نسخ الرابط