بقلم : رشاد كامل

رشاد كامل
وكأن الزمن والزمان لا يتغيران، نفس الموضوعات، ونفس الزيطة والهيصة، تصريحات ونفى تصريحات، أخبار ونفى أخبار!!وسواء كان الزمن مارس سنة 4591 أو هذه الأيام فالملل واحد!
نخبة مصر - الله يحرسها ويحميها من عين الحسود - مشغولة وملخومة بأخبار واجتماعات الجمعية التأسيسية للدستور وكل ما يصدر عنها وعن أعضائها من أنباء وأخبار سواء صحيحة أو تختلقها الصحافة وبتوع «الفيس» والتويت الذى هو غير السميط!!
نفس الزيطة والهيصة وربما المهيصة والهمبكة حدثت عام 3591 و4591 عقب إعلان تشكيل لجنة الدستور «لجنة الخمسين» وكان كل أفرادها بغير استثناء من نجوم ورموز العصر الليبرالى - آسف أقصد العصر الملكى واعتذر عن الكلمة الأبيحة «ليبرالى» - والذين اختارهم كانوا قادة ثورة 32 يوليو!!
فى ذلك الوقت كانت ثورة يوليو قد أصدرت جريدة الجمهورية لتكون لسان حالها، وكان صاحب الامتياز «جمال عبدالناصر» ومديرها العام «أنور السادات» ورئيس تحريرها الأستاذ «حسين فهمى» رحم الله الجميع!
وبغير الدخول فى تفاصيل، فقد ضمت الجريدة عشرات الأسماء من أصحاب الفكر والأدب من جميع الاتجاهات، وفى تلك الأيام اتصل الأستاذ حسين فهمى رئيس التحرير بالدكتور لويس عوض «يدعوه ليكون مشرفا على القسم الأدبى بالجريدة، ثم التقى د. لويس عوض بالسادات الذى كتب بنفسه يطلب من الجامعة انتدابه خارج أوقات العمل الرسمية للإشراف على القسم الأدبى، وهو ما حدث بالفعل وكان شعار الصفحة «الأدب فى سبيل الحياة».
فى تلك الأيام من عام 4591 كانت «مصر» تعيش أزمة 4591، لكن شهادة «د. لويس عوض» تصدمك كما صدمت قراء كتابه «لمصر والحرية مواقف سياسية «صدر عام 7791» حيث يقول:
فى مارس 4591 حدثت المواجهة الكبرى بين الجيش والشعب، ونحن فى القاموس السياسى المصرى منذ ثورة 2591 نحاول دائما أن نخفف من وقع الأحداث بتخفيف أسمائها، فنسمي هزيمة 7691 النكراء «النكسة» ونسمى تحرير الوطن من الاحتلال الإسرائيلى «إزالة آثار العدوان» حتى يتناسى الناس - ولا أقول ينسون - أن مصر محتلة فعلا منذ 7691، وبذلك يتركون للحاكم حرية الحركة فى اختيار سبيل التحرير.
وبنفس المنطق درجت ثورة 2591 ودرج معها الناس على تسمية ثورة مارس 4591 أزمة مارس للتهوين من شأنها رغم أنه من الناحية التاريخية كانت لأحداث مارس 4591 جميع أبعاد الثورة لا الأزمة، الثورة الشعبية المجهضة بتدخل العسكرية المصرية لاستمرار ثورة 2591.
∎∎
كان د. لويس عوض فى حيرة بالغة وقد عبر عنها صراحة بقوله:
كنت أنا فى موقف فريد قلما يجتازه مفكر، كنت بقلبى مع ثورة مارس 4591 وكنت بعقلى مع ثوار يوليو 2591، كان كل وجدانى يهتف «الديمقراطية أبدا» وكنت لا أرى الحل فى استمرار الحكم العسكرى، ولكن فى عودة الجيش إلى ثكناته وتحول القادة العسكريين إلى زعماء شعبيين أى يستمدون تفويضهم من الشعب لا من الجيش، وربما كانت أفكارى يومئذ وهما فى وهم، ولكن هكذا كنت أفكر.
ويمضى د. لويس عوض راويا كواليس تلك الأيام العصيبة من عمر مصر فيقول:
ونحو منتصف مارس 4591 دخل على الرئيس أنور السادات يومئذ القائمقام أنور السادات مكتبى فى جريدة الجمهورية وقال ما معناه:
يا دكتور، كفى كتابة فى الأدب، الوطن فى خطر، أكتب لنا رأيك فى الأزمة القائمة؟!
قلت: أرجو أن تعفينى من هذا فأنا أعرف شيئا عن الفكر السياسى ولكنى لا أحب أن أقحم نفسى فى السياسة العملية!
قال: أنا لا أوافقك، ففى الأوقات العصيبة يجب على كل صاحب رأى أن يتقدم برأيه!
وكان - أى السادات - واضحا إنه كان مصرا على مطلبه وأن لم يكن واضحا ماذا كان ينتظر منى أن أقول!!
قلت: فى هذه الحالة لى مطلب واحد!
قال: ماذا؟!
قلت: ألا تزال كلمة واحدة مما أكتب لا بيد الرقيب ولا بيد غيره!
قال الرئيس السادات بالفصحى: لك على هذا!!
وقد بر السادات بوعده وكتب د. لويس سلسلة مقالات سياسية عددها أربع بعنوان «دستور الشعب» عبرت فيها عن وجهة نظرى قدر المستطاع رغم أنى كنت فى عرين الأسد أخاطب الناس على صفحات «الجمهورية» جريدة الثورة وأدعو فيها إلى عودة الجيش إلى ثكناته!!
وقد نشر د. لويس عوض ثلاثا من هذه المقالات فى كتابه لكنه لم ينشر الرابعة حيث لم يجدها حيث يقول: طالبت فيها قادة الثورة أن يخلعوا الكاكى وينزلوا إلى الشارع لا بوصفهم قادة عسكريين ولكن بوصفهم زعماء شعبيين قائلا: إنهم على خطأ فى تخوفهم من الديمقراطية، فطالما أنهم لا يثقون فى الشعب فالشعب لن يثق فيهم، ولعلها - أى المقال - ظهرت فى الطبعة الأولى ثم رفعت من الطبعات التالية لا أدرى!!
لقد كتب د. لويس عوض هذه الشهادة بعد مرور حوالى 12 سنة على أحداث مارس 4591، ولهذا فاته أو نسى أو لعلها الذاكرة فقد سقط منه واحد من أهم مقالاته ونشره بتاريخ 41 مارس 4591 بعنوان «رأى».
هذا المقال بفكرته وما طرحه وطالب به وقتها هو بالضبط وبالنص ما يحدث هذه الأيام سواء داخل أو خارج الجمعية التأسيسية للدستور!!
∎∎
فى هذا المقال المجهول والمثير يقول د. لويس عوض:
غدا يقول الشعب كلمته، وسوف تكون الكلمة فاصلة عما قريب!
ونحن نسأل: فيم سيقول الشعب كلمته؟؟
يقولون إن الشعب سيقول كلمته فى مشروع الدستور ولكن أين هو مشروع الدستور؟!
أما النتائج التى وصلت إليها لجنة الدستور، فلم تصل إلى الشعب كاملة ولا متكاملة بل وصلت إليه بصورة ممزقة، فنشرت الصحف شيئا من التفاصيل المتناثرة هنا وهناك كما نشرت بعض وجوه الجدل بين أعضاء لجنة الدستور ونشرت مع وجوه الجدل وجوه المجادلين.
وبعد أو ليس الدستور وحدة متكاملة تعبر عن فلسفة متكاملة فى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل ما فيه من تفاصيل ينبع من هذه الفلسفة المتكاملة؟!
فكيف إذن للشعب أن يحكم على دستوره إذا عرض عليه هذا العرض المشتت؟
الشعب يطلب إذن أن تنشر عليه لجنة الدستور مشروعها كاملا وفى أقرب وقت ممكن، ولن نسميه دستور الشعب حتى تقره الجمعية التأسيسية التى سينتخبها الشعب عما قريب لأداء هذا الغرض، بل نحن نسميه حتى ذلك التاريخ دستور لجنة الدستور!
فلينشر مشروع الدستور فى الصحف السيارة وفى كراريس توزع ملايين النسخ بالمجان على كل مواطن له حق الانتخاب، فهذا من حقوق المواطنين.
يجب أن يتم ذلك لا قبل إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية ذاتها ولكن قبل أن يفتح باب الترشيح للمرشحين.
إن الضرورة التى تحتم أن ينشر موضوع الدستور فورا ومعه قانون الانتخاب هى أن المرشحين للجمعية التأسيسية أنفسهم لابد أن ينزلوا الميدان أمام الشعب بموقف يقفونه من مشروع الدستور ذاته على هذا الأساس وحده سيكون انتخابهم فإذا لم يتم ذلك سيقدم كل مرشح إلى ناخبيه بصفته الشخصية أو بصفته الحزبية السافرة أو الخفية، ولسوف يكون الاختيار عندئذ اختيار أشخاص تكتلات حزبية مبهمة البرامج والنوايا، وليس اختيارا قائما على المبادئ قبل أى شىء آخر.
هذا هو استفتاء الشعب على دستوره!
وغيره لا يكون استفتاء ولكن تسلما وإدخالا لأشياء لا يعرفها الشعب على الشعب!
أن 32 يونيو 4591 هو أخطر يوم فى تاريخ نظامنا النيابى منذ دستور سنة 3291 والشعب يطلع على أوراق لجنة الدستور، على كل الأوراق، فليكشف الأوراق لنا الدكتور «على ماهر» بوصفه رئيس لجنة الدستور، فليكشفها أمام الشعب حتى يعرف الشعب من أصدقاؤه ومن أعداؤه.
بغير هذا سوف يكون الدستور القادم دستور الجمعية التأسيسية لا دستور أمة!
انتهى ما كتبه د. لويس عوض قبل 85 عاما فى جريدة الجمهورية لسان حال ثورة يوليو 2591.
وأسمح لنفسى بالقول إن مصر تريد دستورا للأمة لا دستور تفصيل يرضى فئة أو فصيلا أو حزبا، هذا كل ما نحلم به.



