الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

مكتبى فى البيت يشبه مكتبى فى (صباح الخير) نفس الفوضى والنعكشة وعدم ترتيب أى شىء، ويبدو أن ذلك جزء من شخصيتى نما وكبر على مر السنوات.. وهذه(الفوضي) لا تزعجنى إطلاقا ولكنها تثير وتضايق الزملاء والأصدقاء الذين يشاهدون هذه الفوضى الرهيبة.

 ويندهش هؤلاء كيف أننى أحفظ عن ظهر قلب مكان كتاب أو ورقة أو تاريخ مقال أو موضوع نشرته قبل سنوات عديدة !

وعندما استجبت لرغبة بعض الزملاء فى ترتيب مكتبى وإزالة الفوضى التى تغرق غرفة مكتبى أحسست بالغربة والوحشة ولم أسترح وأعود إلى طبيعتى إلا بعد أن عادت الفوضى تحيط بى من كل جانب فأحسست براحة لا حدود لها !!

 وزاد من راحتى وسعادتى بهذه الفوضى اكتشافى أن الكاتب الكبير الأستاذ (أحمد بهاء الدين) كان ينتمى لحزب الفوضى مثلى وقد سجل هذا الاعتراف الرهيب فى مقال بديع اسمه (النظام والفوضي)!!

 كانت مناسبة المقالة هى التشنيعة التى أطلقها الكاتب والشاعر الكبير الأستاذ (كامل الشناوي) على الأستاذ (بهاء) الذى قرر أن ينفى هذه التشنيعة ويدافع عن نفسه فى نفس الوقت :  فيقول: أطلق الأستاذ (كامل الشناوي) فى أثرى (تشنيعة) من تشنيعاته الصاروخية، وتشنيعات (كامل الشناوي) ليست صاروخية فقط، ولكنها موجهة أيضا إذا انطلقت فى أثر مخلوق لا يمكن أن يفلت منها !!

 والتشنيعة تقوى أننى إنسان منظم جدا حتى أننى قسمت أيامى طبقا لجدول دقيق، فيوم ذ مثلا ذ للعمل، ويوم للمجاملة ومقابلة الأصدقاء، ويوم للعواطف أحب فيه وأفرح وأتعذب.. وهكذا !!

فإذا كنت أحب فتاة وكلمتنى فى التليفون فى غير اليوم المخصص للعواطف فإننى أعتذر عن مخاطبتها، لأننى لا أستطيع أن اشعر نحوها بشوق أو رغبة أو حب إلا فى اليوم المخصص للعواطف !!

 وقسوة هذه التشنيعة كامن فى أن الإنسان عادة يضع جدولا لنشاطه المادى، ولكن أن يضع جدولا حتى لخلجاته العاطفية فهو قطعا ليس بإنسان !!

 والغريب فى الأمر أن أكثر الناس يعتقدون أننى إنسان منظم ومرتب جدا مع أننى فى الحقيقة على عكس ذلك بخط مستقيم !!

 إن أهلى فى البيت مثلا يعتبروننى مثالا للفوضى، فأنا حين أقوم من النوم مثلا لا أنهض من السرير إلا بعد أن أكون قد ألقيت الغطاء والصحف التى أقرأها  فى الصباح  على الأرض!! وأدخل إلى الحمام  لأبعث فيه الفوضى أفتح أنبوبة معجون الأسنان  ثم ألقيها فى ناحية  وألقى غطاءها فى ناحية أخرى، واصنع نفس الشىء بأنبوبة معجون الحلاقة، وأذهب لأرتدى ملابس فأفتح الأبواب والأدراج  والدواليب و( أنكش) عشرات الأشياء، وألقى البيجاما كيفما أتفق، وهكذا حتى أخرج إلى عملى، لا أغلق بابا فتحته ولا أعيد شيئا استعملته إلى مكانه، ونفس المأساة تتكرر عندما أعود!!

 على أن المأساة الكبرى تجرى عادة فى حجرتى الخاصة، هذه الحجرة لم يتغير  شىء فى أثاثها نذ كنت تلميذا  فى الجامعة، ولكن الذى يتزايد ويتفاقم فى الحجرة هو الكتب ورفوفها المتصاعدة، وكل رف جديد معنا. فوضى جديدة ! فأنا حتى فى قراءاتى غير منظم، لا أقرأ كتابا إلى أن أنتهى منه ثم أبدأ فى الآخر، ولكنى أقرأ قراءة متقطعة فى عدة كتب دفعة واحدة وفى الليلة الواحدة ! وبالطبع لا أخرج كتابا ثم أعيده إلى مكانه ولذلك  فالكتب تتراكم كل مساء على المقاعد وعلى الأرض وفى الشرفة وعلى شقيقتى كل صباح أن تعيد فى ساعات ما هدمته أنا فى دقائق!

 ونفس الشىء يحدث فى مكتبى في(صباح الخير) على أن أحيانا أدفع ثمن هذه الفوضى باهظا عندما أبحث عن شىء أريده فلا أجده، فأدراج مكتبى كلها مخصصة لكل شىء وليس هناك تخصص بين الأدراج، وكثيرا جدا ما يحدث أن أكتب ملاحظة مهمة  أو خاطرا أحب تسجيله أو نقطا فى موضوع أفكر فيه. أكتب هذه فى العادة على ورقة صغيرة، ولكننى لا أضعها فى المكان المخصص لها، إنما أضعها فى أقرب مكان إلى متناول يدى، أى درج يكون مفتوحا فى تلك اللحظة،  أو بين صفحات أى كتاب قريب منى!! والأهم نفسى دائما أننى لن أنسى مكان هذه الورقة نظرا لأهميتها ولكننى عندما أحتاج إليها فى اليوم التالى لا أعثر لها على أثر، كأن رياحا غامضة حملتها إلى مكان مجهول وأقلب الكتب وأنبش الأدراج والدواليب عن الورقة التائهة فلا أجدها وتضيع الفكرة إلى الأبد أو أكتبها من الذاكرة وقد فقدت نصف قيمتها !! و.. و.. و..

وعندما أسافر أذهب بحقيبة مرتبة منسقة أعدت لى بنظام وأعود بحقيبة مهوشة أقرب إلى صناديق الزبالة العمومية.

 وأخيرا يقول الأستاذ بهاء(: هذه هى حقيقتى أكتبها وأنا واثق أننى لن أقنع بها أحدا، فتشنيعات كامل الشناوى كالماركة المسجلة لا يمكن محوها!!).

ورغم اعتراف الأستاذ(بهاء) فأنا لا أكاد أصدقه!!

تم نسخ الرابط