بقلم : رشاد كامل
وجاء النبأ الصاعق أن مات «عبدالناصر»!!
وكان التفاف الشعب واحتشاده فى جنازة عبدالناصر موقفًا مثاليًا ونادرًا لاحتشاد الشعب حول آمال باقية يريد أن يحافظ عليها ويضمن لها الاستمرار فهى التركة وهى الوصية!!
هكذا تحدث وكتب الأستاذ «فتحى غانم» الذى كان وقتها رئيسًا لتحرير جريدة «الجمهورية» ويكمل قائلاً:«كانت الأيام التى أعقبت تشييع جنازة عبدالناصر أيامًا مثالية، والمناخ السياسى السائد هو مناخ المثاليات، بمعنى أن الشعور السائد بأن واجبنا المقدس هو أن نواصل السير فى طريق عبدالناصر الذى تحول إلى رمز بل ربما تحول إلى أسطورة!!
وفى هذا المناخ كان «أنور السادات» يقسم أمام مجلس الأمة ليتولى الرئاسة، ثم ينحنى أمام تمثال عبدالناصر فى مشهد تمثيلى من مشاهد مسرحية تاريخية، ولقد أستراب فيه كثيرون لما فيه من مبالغة ومظهرية، لكن بقى المعنى الكبير أن الرئيس الجديد سوف يواصل المسير فى طريق الزعيم الخالد، وكان لهذا معناه المباشر بالنسبة لقضية الرقابة وحرية الصحافة، فما دام «السادات» ينحنى للتمثال، فهو من باب أولى سوف ينحنى للاتحاد الاشتراكى وتنظيمه الطليعى!! وهذا يعنى أن صوت التنظيم سوف يرتفع وسوف يكتب أعضاؤه آراءهم بحرية، وسوف يدور حوار سياسى مفتوح! خاصة أن «السادات» كان يعقد جلسات باسم «الباب المفتوح» تدعو المواطنين للتعبير عن آرائهم وأفكارهم بحرية كاملة!.ولقد استطاع «السادات» أن يؤكد حرصه على سلامة الإجراءات الدستورية التى تؤدى إلى توليه السلطة الشرعية، واعتمد على التنظيم الطليعى ليقود مظاهرات التأييد له، فاتجهت الوفود التى تمثل الاتحاد الاشتراكى والنقابات العمالية والفلاحين والنقابات المهنية إلى قصر الطاهرة تحمل أعلامها، ويستقبلها «السادات» ويرحب بها كما ترحب به!!وعندما ذهب وفد نقابة الصحفيين إلى قصر الطاهرة تقدم أحد رجال حاشية السادات وطلب من «كامل زهيرى» النقيب أن نجلس بجوار السادات عندما يدخل القاعة على نفس الأريكة المعدة ليجلس عليها، كان قد أعد مسبقًا للصورة التى يراه بها الناس سواء فى مشاهد التليفزيون الإخبارية أو فى صور الصحف والمجلات!! كان- السادات- حريصًا على أن يراه الناس والحشود تحيط به، ولا يجلس وحده بل يجلس من حوله على يمينه ويساره أبناء الشعب الذين جاءوا يؤيدونه ويبايعونه!
وشعر أعضاء التنظيم أن «السادات» رجل ديمقراطى، وتفتحت شهية كثيرين للعمل السياسى من خلال الاتحاد الاشتراكى الذى بدأ فى أيامه الأولى وكأنه يسيطر على الشارع وله كلمته النافذة فى تولى «السادات» الحكم، وكان أول ما يشغل الكثيرين من أعضاء التنظيم هو احتكار «الأهرام» و«محمد حسنين هيكل» للرأى والمقال السياسى، فضلاً عن انفراده بأخبار عبدالناصر!! لذلك كان أول امتحان لحرية الصحافة هو فى معارضة موقف «هيكل» المعلن فى الأهرام عن ضرورة «تحييد أمريكا» فى الصراع العربى الإسرائيلى، والمخاوف التى يثيرها حول نشوب حرب تحاول فيها عبور قناة السويس التى كانت من وجهة نظره التى شرحها فى مقالاته بالأهرام مانعًا مائيًا من شبه المستحيل عبوره، وتصدت لهيكل ولأفكاره والموضوعات المطروحة فى الأهرام مجموعة كبيرة من رجال التنظيم الطليعى طلبوا منى نشر مقالاتهم فى الجمهورية، وكان فى مقدمتهم الدكتور «لبيب شقير» رئيس مجلس الأمة، والدكتور «فوزى منصور» والدكتور «إبراهيم سعد الدين» و«عبدالهادى ناصف» و«صبرى مبدى».
وأحدثت مقالاتهم رواجًا سياسيًا ورواجًا فى توزيع «الجمهورية» وظهرت على السطح التيارات المتباينة فى التنظيم الطليعى، ولم يتدخل رقيب يفرض موقفًا محددًا، أو يطلب منع نشر مقال!! وبدا للقراء أن الهجوم على «محمد حسنين هيكل» كاتب «عبدالناصر» الأول مثير للدهشة! وله دلالته على أن مناخًا جديدًا يسود البلاد، وكان أعضاء التنظيم يفسرون هذا المناخ بأن عبدالناصر الزعيم قد مات، وأصبح من المنطقى أن يتولى التنظيم التوجيه السياسى من خلال قنوات الاتحاد الاشتراكى واللجنة المركزية! وقد انتهى العهد الذى كانت فيه الجماهير تعتمد على الزعيم!! وتنتظر منه أن يقدم لها القرار ويوجهها إلى الأهداف!!الآن لا يوجد هذا الزعيم، وعلى التنظيم السياسى أن يتولى بنفسه المهام المطلوبة للحكم! وكان الحديث عن «السادات» ينتهى إلى أنه لن يتدخل!! لأن مؤسسة الاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى أقوى منه وهى التى جاءت به إلى الحكم!!
وكانت عيون كثيرة ترصد الموقف السياسى من خلال ما يحدث فى الصحافة، ومقالات «الجمهورية» بالذات التى هاجمت آراء «هيكل» السياسية!!». •
وللحكاية بقية



