بقلم : رشاد كامل
فى أول زيارة للرئيس أنور السادات إلى الاتحاد السوفييتى السابق على رأس وفد كبير وقعت أزمة لم تكن فى حسبان أحد خاصة الدكتور مراد غالب سفير مصر فى موسكو الذى يجيد اللغة الروسية، بل يتحدث بها!
تحدث السادات مع الزعماء السوفييت وعلى رأسهم بريجنيف وكوسيجن رئيس الوزراء وبارجورنى رئيس الاتحاد السوفييتى والماريشال جريتشكو وزير الدفاع، وطلب السادات منهم أن يعطوه سلاح الردع ورد السوفييت بقولهم: سنعطيكم الطائرة «تي. يو. 16» وهى قاذفة ثقيلة تحمل صواريخ بعيدة المدى كسلاح للردع على أن تظل موجودة فى موسكو وعند طلبها فى أى وقت ترسل لكم!
ويقول د. مراد غالب: عندئذ ثار الرئيس السادات ثورة عارمة وضرب المنضدة بيديه، وقال: أنا لا أقبل هذا مطلقا، السلاح يجب أن يكون تحت يدى أنا!
ولما كنت أجيد اللغة الروسية وأتكلمها فقد سمعت حديثا جرى بين «بارجورنى» و«بريجنيف» من وراء ظهر «كوسيجن» الذى كان جالسا فى المنتصف بينهما، وكان مشغولا بالكلام مع الرئيس السادات، قال بارجورنى:
- ما هذه الطريقة؟ ما هذا الذى نسمعه؟ نحن لم نتعود على هذه الطريقة فى المباحثات، لقد كنا نتكلم مع «عبدالناصر» فى هدوء واحترام!
ولم يرد عليه «بريجنيف» وربما لأنه يعرف أننى أجيد الروسية والحقيقة أننى لم أترجم للرئيس السادات ما قاله بورجورنى وأنا أرى الرئيس السادات يشتعل غضبا ولم أكن أريد أن أزيد الموقف اشتعالا!
وظل الرئيس السادات حتى أثناء حضوره مأدبة الغداء الرسمية إلى أن غادر موسكو، وبعد ذلك استطعنا أن نحصل على هذه الطائرة، وكان للفريق أول محمد فوزى وزير الدفاع والسيد شعراوى جمعة وزير الداخلية تفسير بأن السادات افتعل هذه المعركة مع السوفييت وأنه أشعل ثورة غضبه عن قصد وهو يدق المائدة!
ويعلق د. مراد غالب بقوله: وهنا تحضر فى ذهنى قضية تطرح سؤالا مهما: هل للسفير الحق فى أن يمنع بعض المعلومات عن رئيسه؟ ومتى يفعل هذا؟ وهل يعتبر هذا خرقا للأمانة الواجبة؟!
وينتقل د. مراد غالب لواقعة أخرى أكثر إثارة سياسية جرت بعدها بعام واحد وكان قد تولى مهام وزير دولة للشئون الخارجية، فقد زار السادات موسكو وكرر طلبه للسوفييت بطلب إعطاء مصر سلاحا للردع يكون كفيلا بتخويف إسرائيل ومنعها من ضرب أهداف داخل مصر، وذلك بخلاف الطائرة التى حصلنا عليها والتى يمكن رصدها وهى محلقة فى الجو وضربها!
واستمع السادات لأغرب وأعجب رد وحسبما يقول د. مراد غالب الذى كان حاضرا كعضو فى الوفد المصرى ويصف ما جرى وقتها بقوله:
«ورد بريجنيف على هذا الطلب بقوله: لدينا صاروخ يصل مداه إلى إسرائيل، لكنه يحمل رأسا نوويا، ونحن نجرى عليه الآن تجارب لتحويله لحمل رأس غير نووى، وبمجرد الانتهاء من هذه التجارب سوف نسلمه لكم وسوف يكون قريبا فى حوزتكم». ولم يظهر الارتياح أو السرور على وجه السادات من كلام بريجنيف وعندما جاء الدور على «كوسيجن» - رئيس الوزراء - فى الكلام عن الحل السياسى أكد عدم حدوث تقدم فى هذا الاتجاه ووصف موقف الولايات المتحدة بأنه لايزال مراوغا وقال: أقترح عليكم أن نفعل مثلما سبق أن فعلنا مع «شاسترى» رئيس وزراء الهند وأيوب خان رئيس باكستان، لإيجاد حل للاشتباكات بين بلديهما، فقد دعوناهما إلى طشقند فى أوزباكستان وعقدت الاجتماعات وانتهت بتوقيع اتفاقية مصالحة! فلماذا لا تأتى أنت وجولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل ونعقد اجتماعا هنا فى الاتحاد السوفييتى وعليكم أن تشعروا بالأمان لأننا معكم!
وهنا وجهت حديثى إلى كوسيجن باللغة الروسية وقلت له: لا داعى لترجمة هذا الكلام لأنه سوف يثير الرئيس السادات ثورة عارمة واستجاب كوسيجن للنصيحة ولم يترجم كلامه!
ومرة ثانية جال بخاطرى سؤال عما ينبغى للسفير أن يفعله فى مثل هذه المواقف، لكننى بعدها بأسابيع أبلغت الرئيس السادات بتلك الواقعة، فضحك ولم يعلق!.



