الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 
 
 كان غرام واهتمام الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» بالصحافة يفوق الوصف وغريباً فى نفس الوقت!
 
 
وحسب كلام الأستاذ الكبير «محمد حسنين هيكل» أن «جمال عبدالناصر» كان يقرأ كثيراً، وكان بعض ما يقرأه لايساوى الوقت الضائع فيه» أو حسب تأكيد الأستاذ المناضل آخر القادة التاريخيين لثورة 32 يوليو 2591 وقوله: «ظل عبدالناصر طوال فترة حكمه حريصاً على أن يقرأ الطبعة الأولى من كل الصحف اليومية ويراجعها بنفسه ثم يصدر تعليمات فورية بأية ملاحظات يراها ليتم تعديل الطباعات التالية على أساسها، وعندما توليت مسئولية «دار أخبار اليوم» كان هناك موتوسيكل مخصص لإرسال أول خمس نسخ تصدر من الطبعة الأولى ليسرع بها إلى بيت جمال عبدالناصر»!
 
 
 
 فى ظل هذا الاهتمام بالصحافة، استشاط الرئيس «جمال عبدالناصر» غضباً عندما وقع بصره على غلاف مجلة «صباح الخير» الذى رسمه الفنان حجازى «31 مايو سنة 0691»، وكان رسم حجازى عبارة عن امرأة تقول لأخرى بدلع أو بدلال: أنا رايحة السينما، تفتكرى أخرج بأيه..؟!
كان يرأس تحرير «صباح الخير» فى ذلك الوقت الكاتب والروائى الكبير الأستاذ «فتحى غانم» ولم يخطر بباله ما أثاره غلاف حجازى وقتها!!
 
 
وبعد أقل من أسبوعين كان قد صدر قانون تنظيم أو تأميم الصحافة فى 24 مايو سنة 0691، وبعد أيام تقرر عقد اجتماع مهم بين «جمال عبدالناصر» وحضره الأساتذة إحسان عبدالقدوس، مصطفى وعلى أمين وكامل الشناوى، ومحمد التابعى، ومحمد حسنين هيكل، ويوسف السباعى وفكرى أباظة وحلمى سلام وأيضاً «فتحى غانم» رئيس تحرير صباح الخير».
 
 
ويقول «فتحى غانم»: فى الاجتماع واجه عبدالناصر مباشرة شائعة إفلاس الدولة، وإنها صادرت مبانى وأدواراً صحفية لأنها فى حاجة إليها، وقال موجهاً كلامه لأصحاب الصحف، إن الدولة ليست فى حاجة إلى الأحد عشر طابقاً التى ارتفعت فى أخبار اليوم، كان واضحاً إنه يرد على ما قرأه فى التقارير، وقال بتأكيد غير عادى: إن النظام قوى وثابت الأركان ولاتوجد قوة تستطيع أن تهزه، وكان غير مستعد للمناقشة!!
 
 
وحاول «إحسان عبدالقدوس» أن يتحدث عن فن الصحافة حتى لا تتحول الصحف بعد القانون الجديد إلى نشرات غير مقرؤه فغضب «عبدالناصر» وقال بحدة: أنه لا يقبل أن تباع الصحف بالدعارة وهاجم صباح الخير، لأنها تنشر رسوم الكاريكاتير للرسام حجازى، والمرأة فى رسوم حجازى لها نسب مثيرة فى أردافها - الرسوم الكاريكاتورية - وهاجم النكت والرسوم التى يظهر فيها الزوج مخدوعاً والزوجة تخبئ رجلاً فى الدولاب!
 
 
وقال بلهجة حاسمة لا تخلو من تهديد: إن مصر ليست النساء المطلقات فى نادى الجزيرة، مصر هى كفر البطيخ!
 
 
وفى حوار طويل مع فتحى غانم نشر فى حياته وضمنته كتابى «الصحافة والثورة ذكريات ومذكرات» سألته : بعد هذه الأزمة هل تحدثت مع الفنان حجازى بشأنها؟! فقال لى:
الحقيقة أننى لم أكن أهتم بمثل هذه الأمور إطلاقاً وكنت أواجهها بعدم الاهتمام، وهناك أسلوبان فى الصحافة عموماً لمواجهة ذلك، الأول أن يقال لك أو لرئيس التحرير أن الحاكم مهتم ومنزعج جداً لما تنشره أو تكتبه وعندها ستقوم بالدفاع عن نفسك من منطق الخوف والفزع والهلع فترسل برقيات وتلغرافات استعطاف ثم تنهال على رسام الكاريكاتير فتهدده وتعاقبه!
 
 
والأسلوب الثانى وأنا من أنصاره وأتبعه غالباً وهو أننى أستمع لكل هذه الزوبعة، ولا أهتم بها مطلقاً، وأستمر فى أداء عملى بشكل عادى تماماً، ومايريد الحاكم أن يفعله فليفعله، ومنطقى فى ذلك أن الأسلوب الأول ينطوى على الخوف والدفاع عن النفس يضخم وينعش السلطة، وفى اللحظة التى تجد السلطة فيها أنك فى موقف الشاكى والمبرر المدافع فهذا يقويها و«يورمها»، ولكن إذا تجاهلت ذلك كله، فالسطلة أعجز وأكسل من أن تعرف تماماً ماذا تريد أو ما الذى تفعله.
 
 
وفيما بعد قال لى الفنان حجازى فى حوار معه «وهو منشور فى حياته وليس بعد رحيله»: أنا لا أغضب أو أزعل من أى رئيس تحرير فى أنه لا ينشر لى ما أرسمه، لأن هناك ظروفاً تضغط عليه تجعله يفعل ذلك، إننى أعبر عن رأيى فى رسم ثم أمشى. فالنشر من عدمه ليس قضيتى، وكل من تعاملت معهم من رؤساء تحرير يفهمون تماماً هذه المسألة.!
 
 
 
موقف آخر وحكاية أخرى حدثت زمن الرئيس الراحل «أنور السادات»، وكان الأستاذ صلاح حافظ «مايسترو الصحافة» رئيس تحرير «روزاليوسف» بالمشاركة مع الأستاذ فتحى غانم - رحم الله الجميع.
 
 
تفاصيل ما جرى حكاه لى الأستاذ «صلاح حافظ» فى حوار «نشر فى حياته وليس بعد رحيله» قال لى «صلاح حافظ»:
 
 
أذكر أننى كتبت افتتاحية روزاليوسف وعنوانها «السادات والتاريخ» وكان من بين ما قلته: فى زمن قياسى حقاً أنجز السادات ما وعد به، عبر بمصر حاجز الحكم المطلق وأسقط نظرية التعارض بين الثورة والديمقراطية.. و.. و.. واتصل بى السادات وقال لى عبر التليفون:
 
 
أنا لم أقرأ روزاليوسف إلا دلوقتى، وأنا يا صلاح نادراً ما أنهز عندما أقرأ حاجة، لكن مقالتك هزتنى قوى.. المقال ده جميل جداً وأنا بأشكرك عليه وشدوا حيلكم!!
 
 
ثم فجأة قال لى السادات: خللى بالك يا صلاح وصحصح وماتخليش حد يفوت حاجة كده ولا كده!!
 
 
∎ وسألت السادات حاجة إيه ياريس؟!
 
 
- فقال السادات، كاريكاتير حجازى!!
 
 
وقلبت صفحات روزاليوسف وتأملت كاريكاتير «حجازى» ثم قلت للسادات ياريس أنت صحفى وعارف أن الكاريكاتير عبارة عن نكتة، والتنكيت معناه المبالغة والتضخيم!!
وقلت وقتها لصلاح حافظ: هل كان فى لهجة الرئيس السادات شىء من الغضب وهو يشير إلى كاريكاتير الفنان حجازى؟!
 
 
ابتسم ثم قال: إلى حد ما، لأن حجازى كان راسم رجل من العالم الثالث أنيق جداً وشيك جداً ووسيم جداً، ويشبه السادات إلى حد كبير وبجواره رجلان من الصين أحدهما رئيس الوزراء ويرتديان الملابس الفقيرة.
 
 
ويقول ما معناه يبدو أن الرجل ده هو اللى حيسفلنا مش إحنا اللى حنسلفه!!
 
 
طبعاً كان الأستاذ صلاح حافظ يروى من الذاكرة وعندما عدت للكاريكاتير وجدت التعليق يقول: لكن اللى يشوف الصورة دى يفتكر أن الصين هى اللى محتاجة مساعدة!!
 
 
 
ولم أضبط الفنان العبقرى «حجازى» يوماً متلبساً بالمتاجرة أو المزايدة بهذه المواقف، أما غيره من النكرات فى عالم الصحافة - صحافة نعم - فقد صالوا وجالوا وتحولوا إلى ثوار كتابة وأبطال نضال، جاتهم القرف!!
تم نسخ الرابط