الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 


رشاد كامل

 

باسم الشعب أعلن الرئيس اللواء «محمد نجيب» يوم عشرة ديسمبر سنة 1952 سقوط دستور سنة 1923 وأن الحكومة آخذة فى تأليف لجنة تضع مشروع دستور جديد يقره الشعب ويكون منزهاً عن عيوب الدستور الزائل ومحققاً لآمال الأمة فى حكم نيابى نظيف سليم!

وباسم الشعب أعلن «جمال عبدالناصر» فى مؤتمر شعبى بميدان الجمهورية - عابدين - إعلان دستور سنة 1956 بمناسبة انتهاء فترة الانتقال المحددة بثلاث سنوات بدأت يوم 17 يناير 1953 وتنتهى فى 16 يناير 1956 وهو نفس اليوم الذى أعلن فيه عبدالناصر الدستور!

 

لم يكن دستور 1956 هو الدستور الذى أعدته لجنة الخمسين والذى بات معروفاً باسم «مشروع دستور 1954» والذى استغرق إعداده حوالى عام ونصف العام! لكنه وضع على الرف!! ولم يعد أحد يتذكره إلا فيما ندر وخاصة هذه الأيام!!

وفى خطابه أمام الجماهير يوم 16يناير 1956 قال «جمال عبدالناصر»:

أيها المواطنون: هذا يومكم، من أجل هذا اليوم كافح شعب، من أجل هذا اليوم كافح الآباء والأجداد من أجل هذا اليوم سقط شهداؤنا من أجل هذا اليوم قامت ثورة 23 يوليو 1952، إن الدستور الذى نعلنه اليوم هو تتويج لكفاح هذا الشعب على مدى السنين والأيام.

وطوال ساعات راح جمال عبدالناصر يعدد إنجازات الثورة منذ قامت ويهاجم دستور 1923 وعظمة دستور 1956!

وبدأت الأفراح والليالى الملاح تهلل وتزغرد وترقص لمواد الدستور الجديد، مقالات ونفاق لا حدود له.

تنشر الجمهورية صحيفة الثورة بعد يومين من إعلان الدستور أن الأوساط الخارجية فى الشرق والغرب اهتزت لأنباء الدستور المصرى الجديد «!!».

وكتب الأستاذ الكبير «فتحى رضوان» أنه أول دستور تستفتح نصوصه وأحكامه باسم الشعب!

ووسط هذه الزفة السياسية والدستورية والصحفية خرج قلم واحد ليقول لا.. ويكتب معترضاً على بعض نصوصه.

كان هذا الرجل العظيم هو المفكر والأستاذ «خالد محمد خالد» والذى كان محل احترام وتقدير «جمال عبدالناصر» قبل الثورة وكان من قرائه الذين يقدرون له شجاعته عندما كتب «من هنا نبدأ عام 0591 ثم بعده بعام كتابه «مواطنون لا رعايا».

فى مذكراته الصادقة والبديعة «قصتى مع الحياة» يقول «خالد محمد خالد»:

حين صدر الدستور 1956، وكان أول دستور تقوم الثورة بإعداده وكان قد تم نشره قبل كتابة مقالى عنه بأسبوع، كان الدستور يتضمن الإعلان لأول مرة عن قيام «الاتحاد القومى»، ورفضت فى مقالى فكرة هذا التنظيم واعتبرته ممثلا لنظام الحزب الواحد، وإذن فقد ذهبت أدراج الرياح وعود الثورة فى أيامها الأولى بإقامة نظام ديمقراطى سليم، وعصب الديمقراطية ماثل فى تعدد الآراء والأحزاب!

أما الحزب الواحد المسمى فى دستور 56 بالاتحاد القومى فهو إلغاء للديمقراطية!!

حملت المقال إلى جريدة الجمهورية وكنت قد تركت الكتابة بها من زمن وقابلت الرئيس الراحل «أنور السادات» الذى كان مشرفاً على دار التحرير التى تصدر الجمهورية عنها، وحتى أهون عليه أمر نشره قلت له:

الدستور يواجه بما يمكن أن يكون «مؤامرة صمت»، ولا يمكن وهذا أول دستور للثورة - ألا تحف به الآراء الناقدة والمفسرة، وقد ضمنت هذا المقال رأيى فإما أن ينشر كله أو يترك كله!

وبدأ - السادات - يقرأه، وما أن انتهى حتى نظر إلىّ مبتسماً وقائلاً:

 

يا أخى خوفتنى بتحذيرك الأول، وأقسم لك لو كان هذا المقال بصراحته مضروباً فى عشرة ما فكرت فى حذف كلمة واحدة منه!!

 

وشكرته وانصرفت وفى اليوم التالى نشر وقرأه الناس ويعجبون!

 

ويمضى الأستاذ «خالد محمد خالد» فيقول:

فى ذلك اليوم ذهبت لزيارة الأستاذ «الباقورى» بمكتبه فى وزارة الأوقاف ورحت أثنى على موقف السيد «السادات» معى، فأخبرنى إنه بعد منصرفى من عنده اتصل - تليفونياً - بالرئيس عبدالناصر الذى طلب منه أن يتلو عليه المقال، فلما انتهى من تلاوته قال له:

 

انشره كما هو ولا تحذف منه كلمة واحدة!!».

لكن ما جرى بعد ذلك كان أعجب وأغرب ومثيرا للدهشة حيث يقول «خالد محمد خالد» إن الأستاذ «فتحى رضوان» كان قد تلقى بالليل مكالمة من «عبدالناصر» يقول له: إنت عندك مؤتمر صحفى بكرة مش كده؟! فأجابه: نعم! قال له عبدالناصر: أجله إلى بعد بكرة!! ولما سأله «فتحى رضوان» عن السبب؟! فأجابه عبدالناصر بقوله:

 

بكرة سيظهر مقال «خالد محمد خالد» يقول فيه إن فكرة الاتحاد القومى هى نفس فكرة الحزب الواحد، فأجل المؤتمر لبعد بكرة علشان ترد عليه!!

 

وفعلاً أجل المؤتمر وفى اليوم التالى لعقده خرجت الصحف بعنوان ضخم «وزير الإرشاد يقول: الاتحاد القومى ليس حزباً واحداً».

 

ويعلق «خالد محمد خالد» قائلاً: وعجبت يومها لهذه المصادفة، حتى أخبرنى الأستاذ «فتحى رضوان» فيما بعد بالقصة كلها!!

 

ثم يتذكر الأستاذ «خالد محمد خالد» هذه الواقعة المهمة فيقول:

 

«حدثنى الأستاذ «فتحى رضوان» بعد تركه الوزارة أنه بُعيد صدور دستور الثورة عام 1956 تلقى مكالمة من الأستاذ «وحيد رأفت»- الفقيه الدستورى الكبير- قال له خلالها:

 

- إنك يا أستاذ فتحى تطالعنا كل يوم بل كل ساعة بتصريحات تهيب بالمواطنين أن ينقدوا الدستور ويبدوا آراءهم فيه، ومآخذهم عليه، وقد أرسلت مقالاً لجريدة الأهرام منذ أيام، ولما لم ينشر سألتهم عن السبب فقالوا إن الرقيب قد منعه!!

 

يقول الأستاذ فتحى إنه وعده ببحث الأمر، واتصل من فوره تليفونيًا بالرئيس عبدالناصر الذى قال له:

 

- ما تهتمش به، مش حينشروله!!

 

فسأله الأستاذ «فتحى»: لماذا؟! وقد نشرنا مقال «خالد محمد خالد»!

 

فأجابه: خالد محمد خالد مش موتور!! إنه ينقد الثورة ولكن قلبه معها»!!

 

وللأسف الشديد لم ينشر الأستاذ «خالد محمد خالد» نص هذا المقال فى كتابه، لكن د.كرم شلبى استوقفه هذا المقال الجرىء وأشار إليه فى كتابه «صحافة الثورة وقضية الديمقراطية فى مصر»، حيث كتب يقول:

 

«غير أن الكاتب الوحيد الذى خرج على هذه القاعدة التى سادت صحافة الثورة فى تأييدها المطلق للدستور الجديد، كان «خالد محمد خالد» الذى كتب فى الجمهورية بعد أسبوعين من صدور الدستور «فى 30 يناير بعنوان رأى فى الدستور»، وقبل الاستفتاء عليه يطالب بضرورة مناقشة هذا الدستور وإبداء الرأى حوله قائلا: إن التزام الصمت تجاه دستورنا هذا عمل غير صالح، فعلى كل من يحمل رأيًا أن يبديه مهما يكن هذا الرأى مغايرًا ومخالفًا بل ومهما يترتب على إعلانه من نتائج».

 

ثم يتحدث عن الجوانب الإيجابية فى الدستور ومن بينها النص على عروبة مصر، وعلى أن يكون الدين الإسلامى هو الدين الرسمى، وكذلك النصوص المتعلقة بالحريات، لكنه ينبه إلى أن هذه الحريات جميعها مقيدة «بالقوانين المكملة والمفسرة التى سترسم حدود هذه الحريات جميعًا».

 

ثم يسجل خالد محمد خالد اعتراضه على الدستور الجديد فى أمرين:

 

الأول أنه يمنح رئيس الجمهورية سلطات واسعة.

والثانى أن فكرة الاتحاد القومى التى نص عليها الدستور تعنى «الحزب الواحد» بينما الديمقراطية الحقيقية هى التى تطلق حرية تشكيل الأحزاب.

ولا شك أن هذا الرأى كان جديًرا بأن يكون محور نقاش واسع، خاصة أن دستور 1956 منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة بالفعل، إلى جانب أنه دمج بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لكن نقاشاً حول هذا الدستور لم يحدث، وجاء الاستفتاء عليه وعلى «جمال عبدالناصر» رئيسًا للجمهورية بالإجماع.

 

وبعد أيام فوجئ خالد محمد خالد» بأن الرئيس جمال عبدالناصر يريد اللقاء معه، وتلك قصة أخرى.

 

تم نسخ الرابط