بقلم : رشاد كامل
أفتقد كتابات «توفيق الحكيم» أستاذنا الكبير والجليل، لكنى أفتقد أكثر تلك الحوارات الرائعة التى كانت تجرى بينه وبين حماره الرائع صاحب البصيرة والعقل النابه!!
لقد اعترف الكاتب الكبير «توفيق الحكيم» أنه يعتز بأربعة «حمير»، بل يقول: الحمار له فى حياتى شأن، إنه عندى كائن مقدس كما كان الجعران عند المصريين القدماء، لقد عرفته منذ صغرى فى صورة «جحش» جميل اشتراه لى أهلى بثلاثين قرشا وجعلوه لنزهتى فى الريف وكنا خير رفيقين لا نفترق إلا للنوم، فقد كان فى مثل سنى، أى فى طور الطفولة من فصيلته، كما كنت أنا فى طور الطفولة فى جنسى!
وبعد أن يروى «الحكيم» مشواره وحكايته مع الحمير الأربعة يقول:
- أى حمار من تلك الحمير التى أعرف أو لا أعرف هو لى صديق أحبه وأحدب عليه، وأفهم ما يجول فى خاطره، وأنظر إلى عينيه وأصغى إليه، فيخيل إلىَّ أنصمته الطويل قد انفرج عن حديث مؤنس يدلى به إلىَّ، وأسئلة طريفة يلقيها علىَّ.
ومن تلك الحوارات المتبادلة بين «الحكيم وحماره» أصدر الحكيم كتابه الفذ «حمارى قال لى» منذ حوالى 57 سنة، ثم أصدر كتابه الثانى «حمار الحكيم»!
لم يترك توفيق الحكيم وحماره العبقرى موضوعا مما كان يشغل بال الناس وأهل الحكم فى مصر منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضى إلا وكان «للحمار» رأى ورؤية ووجهة نظر أكثر حكمة وتعقلا ونضجا من أهل الفكر والكلام والحكم أيامها!!
إنه يكتب عن «حمارى والطوفان» و«حمارى وعداوة المرأة»، وحمارى والنفاق، حمارى والذهب، حمارى وحزبه، حمارى يشتغل بالسياسة، حمارى والبردعة، حمارى والقومية، حمار أفندى، حمارى وحزب النساء، حمارى والكفاح... إلخ.
أرجوك أن تتأمل وتتمعن فى إجابات «الحمار» عن أسئلة توفيق الحكيم، إنها إجابات حمار مفكر أو «حمار نخبوى أصيل»، لقد قرر الحمار - وبشكلنهائى - أن يشتغل بالسياسة، فالحمير حسب رأيه «من أصحاب الفكر الراجح ومن قادة الرأى الناضج».
ويسأل الحمار صديقه «الحكيم»: هل تظن إنى سأجد حزبا يقبل أن تنضم إليه حمير؟!
رد الحكيم: اطمئن من هذه الجهة لا يكون عندك خوف!
وعاد الحكيم ليسأله: أحب أولاً أن أتشرف بمعرفة مبادئك؟
قال الحمار: مبادئى معروفة: العمل لمصلحة الغير وإنكار المصلحة الشخصية ذلك هو المأثور عن جنسنا وفصيلتنا منذ ظهورنا على الأرض، لقد عملنا وكدحنا وجهدنا لما فيه خير الآخرين، ولم نسأل لأنفسنا أكثر مما نستحق، فلم يعرف عنا أننا سرقنا كما تسرق القطط!! ولا نعمنا بالترف والدلال كما تنعم الخيول، ولا طمعنا فى أن نعزز ونكرم ونلقم السكر فى أفواهنا ولا نعمل شيئا ولا شىء غير ذلك! حتى لقد جرى على أفواه الناس أن ينعتوا كل من يكد ويجد بأنه «حمار شغل»!
فمبادئنا هى كما ترى أن ننتج وننتج، ولا نبغى من وراء إنتاجنا منفعةلذاتنا!
قال الحكيم لحماره: تلك بالطبع مبادئك باعتبارك حمارا، ولكنك تريد على ما فهمت الانضمام إلى حزب من أحزاب البشر؟!
أجاب الحمار: نعم، وهل يقتضى ذلك أن أغير هذه المبادئ؟!
أجاب الحكيم قائلا: تغيير طفيف، كلمة واحدة صغيرة ضعها خلف عبارتك ليكون مبدؤك سليما فى عرف البشر، ضع كلمة «لا»، أى لا إنتاج للغير، ولا إنكار للذات!
وتأمل معى دلالة هذا الحوار الممتع فى مقال «حمارى والكفاح»، حيث كان «الحكيم وحماره» يصطافان فى الإسكندرية صيفا، حيث المصيفين والمصيفات يملأون الشاطئ!! وراح الحكيم وحماره يستمتعان بذلك المنظر البديع الساحر، وفوجئ «الحكيم» بحماره يتغزل فيما يراه قائلا: متعة.. فتنة.. النعيم!
قال الحكيم مندهشا: عجبا ماذا جرى لك أيها الحمار؟!
رد الحمار: ما الذى صنعت فى عامى من جلائل الأعمال لأستحق هذا «التصييف» البديع؟!
قال الحكيم مستنكرا: ما هذا القول السخيف! أو كل هؤلاء «المصيفين» قاموا فى عامهم بأعمال يستحقون من أجلها هذه الراحة الناعمة!
رد الحمار: لست أتكلم عن هؤلاء المصيفين، إنما أتكلم عن نفسى بصفتى حمارا من أسرة الحمير!!
أجاب الحكيم: أنعم وأكرم!!
عاد الحمار ليقول: لا تهزأ بى ولا بجنسى، بل اهزأ بنفسك وبجنسك، فنحن فصيلة قد اشتهرت بالكد والجد، لقد عرفت ظهورنا أشق الأعمال ولم تأنف من حمل أخس الأحمال! وما من أحد بيننا تذمر من كثرة العمل وطول ساعاته، أو من رداءة العلف وقلة دسمه! وما نحن إلا الجلد والعزم والصبر قد صورت مخلوقا حيا لنكون قدوة لأمثالكم من الكسالى والمترفين ولكنكم لا تبصرون ولا تريدون أن تفتحوا أعينكم حتى على خيبتكم المائلة! ما من واحد فيكم يريد أن يعرق ليستحق لقمته، موظفكم ينظر إلى ساعة الانصراف ولما يبدأ فى العمل!! ويهمه المرتب والترقية ولا يعنيه الإنتاج!! وطلابكم يريدون أن يجتازوا الامتحانات بغير درس ولا يعنيهم العلم فى ذاته، بل يطلبون شهادة تغطى فيهم الجهل وتفتح لهم الخزائن وتصعد بهم الدرجات! وعمالكم يفكرون فى زيادة الأجور وإنقاص العمل ولا يهتمون بالإتقان ولا بمصالح الزبون، ورؤساؤكم يعنيهم أن ينشر عنهم أنهم قاموا بكذا ونهضوا بكذا ولا يهمهم بعد ذلك قيام حقيقى أو نهوض!! الحلم الذهبى للجميع الآن هو الثراء والإثراء بغير حدود!! قال الحكيم متسائلا: حقا تلك مشكلة لا أدرى لها حلا؟!!
رد الحمار: حلها بسيط أن تعتنقوا مبدأ فصيلتى: لا راحة بغير عمل، ولا لقمة بغير عرق، ولا ثروة بغير إنتاج!!
تساءل الحكيم: نعتنق مبدأ الحمير؟!
أجابه الحمار بحسم: ولم لا!!
وأخيرا مع واحدة من أجمل المقالات وعنوانها «كل عام والحمار بخير»، حيث كتب «توفيق الحكيم» يقول: تلقيت من حمارى التهنئة التالية:
زميلى توفيق الحكيم:
واجب الصداقة والزمالة والعيش والملح- ولو أنى لا آكل الملح- يدعونى إلى أن أتقدم إليك قبل جميع الناس مهنئا بالعيد! ولا تظن أنى طامع فى أن تمنحنى «العيدية»، فأنا كما تعلم لا أنتظر منك منفعة ولا مصلحة! إنما أعرفك لوجه الله، وهذا نادر اليوم فى بلدك وعند أبناء جنسك! بل إنك لتعلم أنى أنا الذى يوحى إليك بالأفكار وأنت الذى تقبض الأجور! ولم يخطر ببالى أن أطالبك يوما بنصيب لأنى «حمار»، فليكن عزائى على الأقل حسن ظنك بى وبأخلاقى وثقتك ببعدى عن الغايات والأغراض!
فتهنئتى إليك إذن ليست من طراز تلك التهانى التى تمطر اليوم سيولا على أبواب ذوى السلطان، وتمنياتى لك ليست من قبيل الزلفى والرياء! بل هى شىء خالص صادق لشخصك المكتوب علىَ أن أصاحبه فى الأيام السود والبيض!
وإذا سألتنى ماذا أتمنى لك فى حقيقة الأمر؟ لقلت لك بكل بساطة:
- أن تكون مثلى، إياك أن تغير مبادئك فى الحياة! إياك أن تطيش بلبك الأطماع الزائفة! ويبهر بصرك الجاه الزائف! اثبت على مبدأى الذى ألقنه لك صباحا ومساء: عش لأداء الواجب ولا تهدر الواجب لتعيش! وسوف أذكرك بهذه الكلمة فى كل عيد ما حييت! أنت وأنا..
«حمارك»
فكتبت إليه:
عزيزى الحمار: أنت دائما لا فائدة منك إلا الثرثرة ووجع الدماغ، لو كنت خروفا على الأقل لذبحتك وأكلتك وتظاهرت بتوزيع لحمك على الفقراء، ولكنك حمار!!
أين نحن أمس واليوم وغدا من حمار الحكيم أو الحمار الحكيم؟!



