بقلم : رشاد كامل

لم يغضب الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» من الكاتب والمفكر الإسلامى الكبير الأستاذ «خالد محمد خالد» بعد نشره مقال «رأى فى الدستور» والذى انتقد فيه دستور 6591 لأنه منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة!.
وكان مقال «خالد محمد خالد» يكاد يكون المقال الوحيد الذى نشرته جريدة الجمهورية التى أنشأها جمال عبدالناصر يعترض على هذا الدستور بل ويطالب الناس أن يبدوا رأيهم فيه مهما ترتب على إعلانه من نتائج!.
وبينما رحب «جمال عبدالناصر» بنشر مقال خالد محمد خالد كاملا وبدون حذف أو شطب، فقد رفض نشر مقال نقدى للفقيه الدستورى الكبير «د.وحيد رأفت».
لقد كان «جمال عبدالناصر» يحمل ثقة وتقديرا واحتراما لآراء وكتابات «خالد محمد خالد» منذ صدر كتابه «مواطنون لا رعايا» عام 1591 ــ أى قبل الثورة بعام، بل كان «عبدالناصر» يشترى من جيبه الخاص مئات النسخ من الكتاب ويوزعها على زملائه الضباط الأحرار.
وبعد قيام الثورة مباشرة عكف خالد محمد خالد على وضع كتابه المهم «الديمقراطية أبدا» وفيه دحض إجراءات الثورة وإعلانها عن فترة انتقال ثم إلغاء المؤسسات الدستورية.
ويحكى خالد محمد خالد هذه الواقعة المهمة فيقول: حدثنى صديقى الراحل الشيخ «أحمد حسن الباقورى» أنه كان والرئيس عبدالناصر وبعض رفاقهم فى رحلة بالبحر الأحمر، وإذا بالرئيس الراحل يخرج عليهم من غرفته حاملا كتاب «الديمقراطية أبدا» وسُئل. ما هذا الكتاب؟
فأجاب: إنه لخالد محمد خالد ظهر منذ أيام، ولما أطلعهم على عنوانه سأله أحدهم: وماذا يقول فيه؟ أجاب: إنه يشتمنا!!
وأحسب أن الرئيس «عبدالناصر» قال ذلك مازحا، فليس فى الكتاب كله كلمة نابية واحدة اللهم إلا إذا اعتبر مطالبتى الجيش أن يرجع إلى ثكناته ويدع الديمقراطية تمضى فى مستوى أعلى إلى حيث تكون حصنا للوطن وملاذا.. وروحا وريحانا.
يقول الشيخ الباقورى: إن أحد الحاضرين من مجلس قيادة الثورة قال لعبدالناصر: لماذا لا تصادره وأنت الآن وزير للداخلية؟
أجاب رحمه الله تعالى إجابة أذكرها له فأشكره عليها: إنه لا يليق بنا أن نصادر أول كتاب للكاتب الذى كتب فى عهد فاروق «مواطنون لا رعايا»، ثم كأنه أراد أن يقطع الطريق على مقترح المصادرة فقال: إننا إذا صادرناه سينتشر أكثر ويذيع أكثر.
وعندما قررت الثورة إصدار صحيفتها «الجمهورية» كان خالد محمد خالد من أوائل الأسماء التى دعيت للكتابة فيها ، ويروى «خالد محمد خالد» الحكاية بقوله:
حين كانوا يعدون لإصدار جريدة الجمهورية اتصل بى تليفونيا الرئيس الراحل أنور السادات رحمه الله وكان يومها مشرفا على دار التحرير وجريدة الجمهورية ورغب أن نلتقى بمكتبه فى الجريدة، والتقينا هو والأستاذ «حسين فهمى» الذى كان قد اختير رئيسا لتحرير الجريدة وأنا، وأبلغنى السادات بأن عبدالناصر حمله رجاء إلى أن أكتب فى الجمهورية.
ولما هممت أن أعتذر ضحك الرئيس السادات وقال: اسمع هذه ليست رغبة «جمال» وحده وإنما هو قرار اتخذه مجلس قيادة الثورة بالإجماع.
وقبلت، وأعددت فعلا المقال الأول وأعطيته للأستاذ «حسين فهمى» وعرضت المقالات المرشحة لاختيار واحد منها يتوج العدد الأول من الجمهورية، وكان رأى «السادات» والأستاذ «فهمى» أن يحمل العدد الأول مقالا لأستاذ لنا كبير، أستاذ جيلين لا جيل واحد، وطلب الرئيس الراحل عبدالناصر أن يطلع على هذه المقالات ثم أمر فور اطلاعه أن يحمل العدد الأول مقالى وكان عنوانه «لكى نربح الثورة، لا خطوة إلى الوراء».
وهكذا ظل خالد محمد خالد يكتب مقالاته السياسية فى «الجمهورية» حتى بدأت وقائع محاكمات الثورة وعندما بدأت محاكمة الزعيم الوفدى «فؤاد سراج الدين» كتب عنه تحت عنوان «كان نصيرا للحرية» لكن المقال لم ينشر فقال لنفسه بركة يا جامع وعزم على التخلى عن الكتابة بالجمهورية ثم يواصل خالد محمد خالد ما جرى بعدها ويقول: بعد يومين أو ثلاثة تلقيت مكالمة تليفونية من الأستاذ «حسين فهمى» وكان رئيسا للتحرير يسألنى متى سأرسل المقال التالى؟
أجبته: لن أرسل شيئا حتى تنشروا المقال الذى عندكم!
قال: طيب.. لى عندك رجاء أن تشرب معى الشاى أو القهوة الآن.
وذهبت إليه وجلسنا وحدنا فى مكتبه ثم أخرج المقال من أحد أدراجه وأمسك به متعمدا أن يكون بعيدا عن بصرى ثم قال: هل ترى هذه السطور.. معذرة فإنى لن آذن لك باطلاعك عليها!
قلت: نعم أراها وكانت عبارة عن بضعة سطور مكتوبة بخط دقيق ومتناه فى الصغر. قال: هذا تعليق مسئول كبير بمجلس قيادة الثورة يتضمن الأسباب المانعة من نشر هذا المقال.
واتفقنا على أن يكون هذا أول وآخر مقال لى يمنع نشره، واستأنفت كتابتى حتى جاء يوم تأزمت الأمور فيه بين الثورة والشيوعيين والإخوان و«محمد نجيب» فكتبت ثلاثة مقالات تحت عنوان «الإخوان والشيوعيون والثورة» نشر المقال الأول ثم حُجب الثانى والثالث فكان هذا آخر عهدى بالجمهورية.
ولم يعد خالد محمد خالد للكتابة فى الجمهورية إلا بعد سنوات عندما كتب مقاله عن دستور 6591 ناقدا له ومحللا لما جاء به من مواد تبعد مصر عن الديمقراطية، وبعد أيام من نشر المقال فوجئ خالد محمد خالد باتصال تليفونى من فضيلة الشيخ «أحمد حسن الباقورى» يخبره أن الرئيس جمال عبدالناصر يريد أن يراك وقد قال لى إننى أريد أن ألتقى بخالد كصديق ولهذا فضلت أن أستقبله فى منزلى غدا الساعة...!!
ويضيف خالد محمد خالد: فرحت لأنه كان عندى كلام كثير عن الديمقراطية أريد أن أقوله للرئيس. وفى مثل هذا اللقاء الخاص يمكن أن أضيف شيئا جديدا ومفيدا.
ذهبت فى صحبة أخى الشيخ الباقورى للقاء الرئيس، استقبلنا رحمه الله فى حجرة مكتبه محييا فى حفاوة وود واستغرق اللقاء ساعتين ونصف الساعة لم تضع منها دقيقة واحدة فى غير الحديث عن الديمقراطية.
بدأ الرئيس الراحل حديثه قائلا: لقد قرأت مقالك عن الدستور وعن الحزب الواحد وعلى فكرة هل حذف منه شىء؟ إننى حين حدثنى الأخ «أنور» بالتليفون عن المقال طلبت منه أن يقرأه على وكان يقترح حذف بعض العبارات فطلبت بعد سماعى له أن ينشره دون حذف كلمة واحدة منه.
قلت: وهذا هو الذى حدث فعلا يا سيادة الرئيس وشكرا جزيلا لك.
ثم راح يقص بإسهاب خلافه مع أعضاء مجلس قيادة الثورة حين اجتمعوا ليتدارسوا نوع الحكم الذى سيحكمون به البلاد قال: إنهم أجمعوا على اختيار الديكتاتورية على الأقل لفترة انتقال قد تقصر وقد تطول، وتمسكت أنا بالديمقراطية وتعددت الاجتماعات والمناقشات وأمام إصرارهم كتبت استقالتى من مجلس القيادة وأرسلتها إليهم ولزمت بيتى ثم فوجئت بهم يزوروننى جميعا وظننت لأول وهلة أنهم غيروا رأيهم وإذا بهم يفاجئوننى بهذا السؤال: ألست تؤمن بالديمقراطية؟ قلت طبعا!
قالوا: أليست الديمقراطية هى حكم الأغلبية؟ قلت: طبعا!
قالوا: إنك لست أمام أغلبية فحسب بل أمام إجماع، فلماذا لا تحترمه؟
قلت: إننى احترمه ولكن لما كنت مقتنعا به فإنى أنسحب حتى لا أتحمل مسئوليته وامضوا أنتم فى طريقكم.
ويضيف خالد محمد خالد معلقا: ولست أدرى لماذا انتابنى إحساس ضاغط وأنا أصغى لحديثه أن هذا الموقف وهذه الاستقالة كانا مناورة ذكية أعدها عبدالناصر ليستخدمها فيما بعد عندما يدعو لاستخدامها داع!.
وانتهى من سرد تفاصيل هذه الواقعة إلى أنه اقتنع بأن بقاءه يشكل ضمانا للديمقراطية بينما اعتزاله لن يحقق هذا الضمان، فاسترد استقالته وبقى!.
وانتقل عبدالناصر إلى نقطة أخرى من الحديث فقال: أنت تعلم أن الثورة قامت لتنقذ مصر من فساد كبير وأنت نفسك تحدثت عن هذا الفساد فى كتبك ومقالاتك بمجلة روزاليوسف. هل نسيت؟
وأجبت مبتسما: لم أنس يا سيادة الرئيس ولكن إذا نحينا جانبا الفساد اللا محدود والذى كان يمثله ويعرزه النظام الملكى والذى كان الشعب كله يرفضه ويقاومه بقوة تبقى بعد ذلك الأخطاء التى كنت مع غيرى من الكتاب ننقدها ونقاومها بأقلامنا، لكن بالنسبة لى على الأقل لم يكن شجبى لهذه الأخطاء يعنى أية إدانة للديمقراطية بسببها!
قال: وهل أنت راض عن الديمقراطية التى كانوا يحكمون بها مصر قبل الثورة؟
قلت:.......؟
ماذا قال خالد محمد خالد وبماذا أجابه «جمال عبدالناصر»؟
الأسبوع القادم نقرأ التفاصيل بين صاحب الكلمة وصاحب السلطة؟



