الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

طبعًا أهلاً ومرحبًا بحرية الصحافة بلا حدود أو سقف!

 
وطبعًا حرية الصحافة يراها الصحفى والقارئ من حرية مقالات الرأى، والمقالات النارية، والكتابات السياسية الساخنة التى لا تترك إنسانًا- حاكمًا أو مسئولاً- إلا وسلخته نقدًا وسخرية!!
 
ووسط مولد «حرية الصحافة» أصبح كل من هب ودب محللاً ومفكرًا وخبيرًا وأستاذًا، يفهم ويفكر ويفتى ويعك ويلت فى أى موضوع بدءًا من مشروع النهضة الذى خرج ولم يعد، إلى كارثة مشروع سد النهضة!! ومن كارثة السولار إلى جنون الدولار!!
فى كتابات الصحفيين والمحللين والخبراء عن كارثة سد النهضة قرأنا العجب سواء بالتهوين أو التهويل!!
 
الكل يتكلم ويتحدث ويعبقر- فلا ضرائب على الكلام- فهذه هى حرية الكلام، وليس المهم ماذا تقول؟! بل تكلم وخلاص! ولن يحاسبك أحد على جهلك فيما تقول؟! أو حماقة وغباء ما تتحدث به أو افتكاسات الخيال غير العلمى!!
 
ولا يوجد موضوع واحد أثير أمس أو اليوم والمؤكد غدًا- إلا وستجد من يتحمس له حماسًا شديدًا أو يهاجمه هجومًا بلا حدود، وفى الحالتين المعلومات والحقائق الثابتة غائبة أو نائمة!!
 
وهناك مئات الأمثلة الماثلة فى الأذهان والكل تابعها عبر القراءة أو المشاهدة التليفزيونية فى برامج «التوك شو» ولعل أحدثها وأسخنها هو موضوع «سد النهضة» الإثيوبى! وما سوف يترتب عليه من نتائج كارثية تتعلق بكمية المياه التى سوف نفقدها.
 
أقطع لسانى من «لغاليغه»- القول المأثور للفنان سعيد صالح- إذا كان من تحدثوا وهمبكوا قد قرأوا مقالاً أو دراسة أو كتابًا عن «النيل» تاريخه ومياهه وأزماته السياسية.
 
وهناك المئات من أبناء مصر الفاهمين المتخصصين الذين أحبوا مصر بالفهم لا بالهمبكة، عشقوها بالعلم لا بالشعارات الجوفاء!
 
هل قرأوا أو سمعوا عن دراسات ومقالات الأساتذة والدكاترة رشدى سعيد وكتابه الأشهر والأقيم «نهر النيل: نشأته واستخدام مياهه فى الماضى والمستقبل»، ومقالاته العديدة المهمة ومنها «اقتسام مياه النيل.. قنبلة الفقراء الموقوتة»، و«النيل وأزمة المياه فى مصر»، و«ماذا وراء فتح ملف إعادة توزيع مياه نهر النيل»، الذى نشره فى الأهرام بتاريخ 3 سبتمبر 1997- أى منذ 16 سنة!! و..ليس هذا فقط بل إن واحدة من أهم وأعمق المجلات المصرية وهى مجلة «السياسة الدولية» التى أسسها ورأس تحريرها لسنوات طويلة الأستاذ د.بطرس بطرس غالى شغل هذا الموضوع اهتمام أغلب باحثيها، إلى حد تخصيص ملف خاص (66 صفحة) عدد إبريل سنة 1991 عن «قضية المياه فى الشرق الأوسط وإفريقيا» فيكتب الأستاذ «أحمد يوسف القرعى» مقدمة هذا الملف ويكتب د.بطرس بطرس عن «إدارة المياه فى وادى نهر النيل» وهذا المقال كان فى الأصل محاضرة سبق أن ألقاها بالإنجليزية أمام الكونجرس الأمريكى بتاريخ 25 سبتمبر 1989 وترجمتها د. منار الشوربجى..ويكتب د.«علاء الحديدى» دراسة بالغة الأهمية عن «السياسة الخارجية تجاه مياه نهر النيل» مليئة بالمعلومات والحقائق والوثائق، شغلت مساحة 12 صفحة من المجلة، ولا أعرف إذا كان صاحب هذه الدراسة الممتازة هو نفسه د.علاء الحديدى مستشار رئيس الوزراء الآن أم أنه مجرد تشابه أسماء!!ويكتب د.«حسن بكر» عن «المنظور المائى للصراع العربى الإسرائيلى» ويتناول د.أحمد عباس عبدالبديع «أزمة المياه من النيل إلى الفرات»، كما يتناول الأستاذ «ياسر على هاشم» «الأبعاد السياسية والاقتصادية والقانونية لأزمة المياه»، ويكتب أستاذنا ومفكرنا الكبير د.عبدالملك عودة بمشاركة د.حمدى عبدالرحمن عن «التعاون الإقليمى فى القرن الإفريقى وحوض النيل»، ويكتب أيضا د.«جويس ستار» رئيس مؤتمرات السياسة والتكنولوجيا المائية الكونية عن «مدخل إلى مؤتمر قمة إفريقى حول المياه».
 
ولعل أخطر وأهم ما نشرته السياسة الدولية هو مناقشات ندوة نهر النيل التى انعقدت فى لندن على مدار يومى 2 و3 مايو سنة 1990 وأعدها للنشر «أشرف محسن وأمجد ماهر عبدالغفار» بكل ما تضمنته من تحذيرات وتنبيهات مقلقة!!
 
وليس تقليلاً من قدر رئاسة الجمهورية أن تطلب من مؤسسة الأهرام هذا العدد وتقرأه وتدرسه، ففيه الكثير من المعلومات والعلم والحقائق التى افتقدها أغلب من تحدثوا فى تلك الجلسة أمام رئيس الجمهورية بكثير من الجهل والجهالة!!
 
ولم تكن تلك المسألة «نهر النيل» غائبة عن بال وعقل مفكرنا وأستاذنا النابه «أحمد بهاء الدين» فقد تناولها بوعى وجدية وعلم فى عشرات المقالات فى بابه الشهير «يوميات» بصحيفة الأهرام فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى! أى منذ حوالى ربع قرن!
 
كتب «بهاء» محذرًا ومنبهًا: «إننى أعرف أن الحديث هو عن مشكلة صعبة بل بالغة الصعوبة، ولكن لابد أن تحشد لها الجهود من الآن ونحن لا نرى أى شىء حتى الآن!وإذا كنا مقبلين على عصر جديد تمامًا فى موضوع الماء لم يسبق له مثيل فى تاريخنا كله، فهذا يحتاج إلى معرفة جديدة وثقافة جديدة وعقلية جديدة وقناعات راسخة جديدة، ووسائل جديدة»..إن تغيير عادات الشعوب وما جبلت عليه قرونًا طويلة، ولا تعى ذاكرتها غيره من أصعب وأشق الأمور على أى قيادة فى أى بلد.
 
تعودنا جميعًا أن «الماء» لا ثمن له، ولا حساب له، وأنه كرمل الصحراء لا نهاية له، تقنين الماء، توفير الماء، تثمين الماء، ادخار الماء، كلها كلمات غريبة الوقع على الأذن المصرية، سكان المدن والعمارات ربما يعرفون انقطاع الماء!! ولكن الملايين العاملة فى الزراعة والصناعة لا تعرفه!
 
ثم يشير الأستاذ «بهاء» إلى تقرير خطير نشرته جريدة التايمز البريطانية تحت عنوان «مهد الحضارة يجف» وقد وصلت نسخة منه إلى المسئولين فى وزارة الرى والأشغال العامة حتى يقرروا من الآن السياسات اللازمة لتقليل أثرشح المياه المتوقع»!!
 
وبعيدًا عن الكلام المنطقى والعلمى والإحصاءات التى أوردها الأستاذ بهاء فى مقالاته أتوقف بالتأمل والانتباه إلى سطور يقول فيها:
 
- «ولم نر الحكومة تدعو الخبراء فى كل مجال للبحث ولا جلسات خاصة على أعلى مستوى للدرس، وفوق كل هذا لم يحط الرأى العام علمًا بالأزمة حتى يتهيأ لها، ويتقبل أى إجراءات بجدية، ويتخلى عن روح التسيب والاستهتار العامة، وهذا هو الانتماء الذى تصنعه الشدائد، ولا تصنعه أحاديث وأغانى التليفزيون.
 
إن الدولة القائمة بواجبها هى الدولة التى لا تفاجأ، وفى عصر العلم والتقدم ليس هذا الأمر بالصعب إنما صار أمرًا ضروريًا».
 
هل كتب الأستاذ بهاء هذه الكلمات الواضحة القاطعة ودار فى ذهنه أنه يكتبها ويوجهها إلى حكومة هذه الأيام!!
 
وربما يعرف أو لا يعرف أهل الحكم والجماعة والعشيرة أن المجالس القومية المتخصصة- ورغم أية خزعبلات وخرافات تطالها- فقد أعدت عشرات الدراسات العلمية عن نفس الموضوع، وبأقلام متخصصة فاهمة واعية، فأين ذهبت وهل احترقت مع احتراق مبنى الحزب الوطنى!! وكانت هذه الدراسات المهمة تصدر بانتظام وترسل أولاً بأول إلى رئاسة الجمهورية السابقة!!
 
بصراحة ما أكثر العقول المصرية الفاهمة والدارسة فى مصر!
 
لكن مشكلة مصر أو مرضها هو استبعاد الكفاءات وخصام الخبرات وأن أهل الثقة يتصدرون المشهد دائمًا!
 
وأهل الثقة لا يريدون إلا رضاء السلطان وراحة بال السلطان، فلا يزعجونه بوجود المشكلة بل ينكرون أصلاً وجود المشكلة!
 
ولذلك فلا تستغرب من بعض هؤلاء الذين خرجوا يستنكرون ذلك التهويل الفظيع من سد النهضة!!
 
صحيح «نهضتين» فى الرأس توجع!!
تم نسخ الرابط