الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 

 

 

استغرق لقاء الرئيس «جمال عبدالناصر» والكاتب المفكر «خالد محمد خالد» فى حجرة مكتب الرئيس ساعتين ونصف الساعة - مائة وخمسين دقيقة - لم تضع منها دقيقة واحدة فى غير الحديث عن الديمقراطية!

لم يكن غائباً عن بال عبدالناصر فى ذلك الوقت أن «الديمقراطية» هى عشق وغرام خالد محمد خالد قبل وبعد ثورة يوليو 1952، بل إنه رفض مصادرة كتاب خالد محمد خالد - أول كتبه بعد الثورة - وهو «الديمقراطية أبدا» والذى طالب فيه بالديمقراطية حصناً وملاذاً للوطن!

 

 

ووسط هذا الحوار بين السلطان والمفكر سأله «عبدالناصر»: وهل أنت راض عن الديمقراطية التى كانوا يحكمون بها مصر قبل الثورة؟!

وحسب ما جاء فى مذكرات «خالد محمد خالد» (قصتى مع الحياة) فقد قال له:

إذا أذنت لى، فأنا راض عنها كل الرضا، مع اعترافى بوجود الأخطاء التى شابت تطبيقها، ولعل سيادتك تذكر أن كتابى «الديمقراطية أبداً» الذى رفضت مصادرته قد جعلت شعاره المسطور على غلافه أن «أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية».

وهنا رأيت ضوء الفرح يغمر أساريره وقال وهو يضحك وكلتا عينيه على الأستاذ «الباقورى»: ومن أخبرك برفض مصادرته؟!

وكان فضيلة الشيخ الباقورى هو الذى أخبرنى فعلا بموقفه من ذاك الكتاب!

واستأنف الرئيس الراحل حديثه قائلاً:

على كل حال فإن الثورة قد قامت لترد للشعب حقوقه، وكان مكانك الطبيعى فى الدفاع عنها، لكنك من أول يوم وقفت تعارضها، وأنا أسأل: إذا لم تدافع أنت عنها فمن يدافع؟! فلان - وذكر اسماً كبيراً!!

وأجبته قائلاً: أما فلان هذا، فهو فى رأيى وطنى مخلص، وهو بوطنيته وبإخلاصه قادر على هذا الدفاع، لا سيما وهو يتمتع بقدر هائل من الذكاء والقدرة على الإقناع.

أما عن موقفى من الثورة، فأنا لا أنكر أبداً أنك وإخوانك الثوار قد حررتم ظهور آبائنا ولقد صنعت لمصر كثيراً، وإن شاء الله ستصنع لها أكثر، غير أن خير ما تسديه لتاريخك الشخصى ولأمتك أن تجعل من مصر «أثينا» أخرى!

وهنا قاطعنى ضاحكاً: يا أخ خالد أيام أثينا لم تكن هناك قنابل ذرية!

وفهمت لحظتها أنه يشير إلى التغيرات الهائلة التى طرأت على المجتمع الدولى، فانتهزت هذه الفرصة السانحة وقلت:

ياسيادة الرئيس لن ينقذ العالم من القنابل الذرية ولا مما تفرضه من مواصفات وأخطار سوى الديمقراطية، إن الديمقراطية لغة الشعوب جميعاً وسفينة نجاتها الوحيدةَ.

ثم إننى أعتقد أن الولاء للثورة يحتم الولاء للديمقراطية، فالديمقراطية هى وحدها القادرة على حماية مكاسب الثورة، وفى غيابها يكون الخوف من ضياع هذه المكاسب وارداً وكبيراً.

وهنا جاءت المفاجأة، لا أقول المذهلة بل «الذاهلة» فقد أحسست أن الكلمات التى قالها قد غشاها من الذهول ما تُغشى سامعيها!!

قال - وكأنى أسمع الآن رنين كلماته وتصميمها:

طيب.. وإحنا مستعجلين على إيه؟! إحنا قاعدين فى الحكم عشرين سنة ولما الثورة تثبت أقدامها وتنتهى من أعدائها نبقى نعمل الديمقراطية اللى أنت عاوزها!!

 

ووسط ذهول «خالد محمد خالد» يواصل ذكرياته فيقول:

إحنا قاعدين فى الحكم عشرين سنة؟! ولا أذكر ماذا قال بعد هذا فلم يكن سمعى معه، إذ رحت مع خواطرى المبهورة، والمأخوذة أتساءل مع أية قوة أخذ «عبدالناصر» العهد على المكث فى الحكم عشرين سنة؟!

 

كانت كلماته تلك التى قالها فى هدوء عجيب وفى ثقة مفرطة تمثل جرأة خارقة لأحلامه، كما تمثل بصيرة نافذة لإلهامه، فقد لبث فى الحكم فعلا عشرين عاماً إلا عامين، إذا اعتبرنا بداية حكمه منذ قيام الثورة، وهو اعتبار صحيح، لأنه منذ اليوم الأول للثورة كان الحاكم الحقيقى للبلاد!

 

هذا كان جوهر الحوار الذى دار بيننا فى لقاء استغرق كما قلت ساعتين ونصف الساعة، وقبل انتهاء اللقاء بحوالى خمس عشرة دقيقة دخل المرحوم المشير «عبدالحكيم عامر» وجلس مستمعاً ومنصتاً، وحين أردنا الاستئذان فى الانصراف - الشيخ الباقورى وأنا - قال «عبدالناصر» وهو ينظر إلى ساعته:

 

إحنا ماشيين سوا، وعلى فكرة أنا وعبدالحكيم رايحين سينما، تيجوا معانا!!

 

وشكرناه، وودعنا حتى المكان الذى كانت تنتظر فيه سيارته!

 

وفى طريق عودتنا سألنى فضيلة الشيخ الباقورى: ما رأيك فيما رأيت وفيما سمعت؟!

 

وأجبته: هذا رجل ليس فى داخله عوج! على الأقل من خلال صدقه مع نفسه، لقد اختار طريقه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد!

 

ولا أذكر أن النوم أغمض لى جفناً طوال تلك الليلة! لقد استلقيت على ظهرى فى فراشى وراحت عيناى تحملقان فى فضاء الغرفة وسقفها وأنا أستعيد كل خلجة ارتسمت على وجهه، وكل كلمة انفرجت عنها شفتاه وأسلمت نفسى طويلاً للذهول الذى ناداه استعادتى لعبارته الحاسمة والحازمة.. المستعلية والمستيقنة: إحنا مستعجلين على إيه؟ إحنا قاعدين فى الحكم عشرين سنة!!

 

ويمضى الكاتب الكبير «خالد محمد خالد» مع مشاعره وأحاسيسه فيقول: وحين ترامى إلى سمعى صوت مؤذن الفجر وهو ينادى: الله أكبر.. الله أكبر، كان مستقبل الثورة والأمة و«عبدالناصر» نفسه ثم الديمقراطية من قبل ومن بعد قد انداح أمامى على طريق مضاء، لقد حسمت تلك العبارة ظنونا كثيرة كانت تملأ روعى، ظنونا كان أكثرها يشوبه رجاء وأمل، بل قولوا إنه أمل كانت تشوبه بعض الظنون!.

 

وتكاد مواقف التشاؤم واليأس تكون محدودة ومعدودة فى حياتى لقد أخذتكم معى إلى هذا المنحى من الحديث لأخبركم أن غاشية من غواشى التشاؤم قد أحكمت قبضتها على فى تلك الليلة بعد مغادرتى دار الرئيس.

 

إن الرجال الذين قرروا البقاء فى الحكم عشرين عاما قد اختاروا فى نفس الوقت الوسيلة التى ستمكنهم من هذا البقاء وهى لن تكون الديمقراطية بحال!

 

إن الديمقراطية لا تدلل الحكام إلى هذا المدى البعيد وهى فى مجالها المتجدد دوما تمنح أبطالها حق اعتلاء المسرح فى توقيت محسوب ولوقت معلوم!.

 

ثم يتساءل خالد محمد خالد قائلا:

 

كيف اختفى من حياته الرجل «جمال عبدالناصر» الذى استقال من قيادة الثورة تعصبا للديمقراطية على حد قوله؟ وإلى أى مدى كان انعكاس يقينه بأنه سيحكم مصر عشرين سنة على سلوكه السياسى؟

 

لقد كان يردد كثيرا بين خاصته هذه العبارة: إنى أوثر أن أكون زعيما مهيبا على أن أكون زعيما «محبوبا».

 

وتمضى السنوات ولم يتغير موقف خالد محمد خالد أو يتلون أو يتحول أو ينافق أو يساير ويجارى ما كان يحدث!!.

 

وفى أوائل نوفمبر سنة 1961 يعلن الرئيس جمال عبدالناصر عن تشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية وكانت جلساتها تذاع على الهواء مباشرة وتحدث المئات فى هذه الجلسات والتى شارك فيها «جمال عبدالناصر».

 

ودارت مناقشات مهمة وجادة طرفاها «عبدالناصر» و«خالد محمد خالد» ويقول خالد محمد خالد: أما الديمقراطية فهى عندى بسيطة أن يكون الشعب قادرا على اختيار حكامه باقتراع حر، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغير حكامه باقتراع حر، الديمقراطية هى أن يمارس الشعب مسئوليته وأنا لا أجامل حين أقول إننا إذا أضعنا على الشعب فرصته الكاملة فى أن يمارس الديمقراطية بمفهومها الذى ذكرته الآن فإننا نحرمه فرصة العمر!.

 

ويضيف خالد محمد خالد: وفى الصباح ظهرت الصحف واضعة على صفحاتها الأولى هذه العناوين: خالد محمد خالد يدافع عن العهد البائد، خالد محمد خالد يطلب الرحمة لأعداء الثورة، محملة كلماتى الواضحة كل دخيل من القول وزور!! ولم تجرؤ صحيفة على نشر الكلمتين اللتين قلتهما فى تلك الليلة عدا جريدة الجمهورية التى نشرتهما كاملتين ولقد دفع الأستاذ إبراهيم نوار رئيس تحريرها ثمن مواقفه الشجاع بعد شهرين.

 

تم نسخ الرابط