بقلم : رشاد كامل

أكتب لكم عن الأستاذ الكبير «عبدالرحمن الشرقاوى» رحمه الله
ما أسعد أبناء جيلى الذى عرفوا الأستاذ الشرقاوى عن قرب وقرأوا له على صفحات «روزاليوسف»، ولمسوا مواقفه الكبيرة الجسورة ضد أعداء الحرية والظلام عندما كان رئيسا لمجلس إدارة مؤسستنا العظيمة روزاليوسف من عام 1972حتى أبريل 1977.
تحت قيادة «الشرقاوى» قدمت مؤسسة روزاليوسف نموذجا فريدا وأسطوريا فى مفهوم الصحافة القومية!
فى أحد لقاءات الأستاذ «الشرقاوى» بالرئيس الراحل «أنور السادات» كان الموضوع الأول، والمهم الذى طرحه السادات على «الشرقاوى» هو أن كثيرا من الوزراء والمسئولين شكوا للسادات مما تنشره روزاليوسف،وإنها قد أصبحت وكرا للشيوعيين والماركسيين، وإنها تقف ضد سياسة الانفتاح الاقتصادى وتشكك فيه..
وقال السادات للشرقاوى إنه سيطلب من وزير الإعلام - د. كمال أبو المجد أيامها - أن يحقق فى أخطاء منسوبة إلى أحد محررى روزاليوسف وطلب السادات أيضا من الشرقاوى تخفيف اللون الأحمر فى المجلة!
وفوجئ السادات برفض الشرقاوى وأكد للسادات أنه المسئول عن كل كلمة تكتب فى روزاليوسف، وأنه إذا كان هناك خطأ من أى محرر، فالمؤسسة هى التى تحاسبه وليس وزير الإعلام!
ومضى الشرقاوى يقول للسادات: إن هؤلاء المسئولين يثيرون هذه الاتهامات لكى يستروا عوراتهم وأخطائهم التى تكشفها روزاليوسف!
ولم يغضب «السادات» من موقف «الشرقاوى» ودفاعه عن روزاليوسف بل كان السادات وقتها لا يخفى إعجابه بتجربة ونجاح مؤسسة روزاليوسف ويعترف الشرقاوى قائلا :
- «كان السادات يضيق أحيانا ببعض الكُتاب، لكننى كنت أناقشه وأقنعه بأن يستمر الكتاب فيما يكتبون، وأحيانا كان يصمم على منع البعض من الكتابة فأتمسك بحقهم فى الكتابة على مسئوليتى الخاصة، وكانت كل خلافاتى معه حول كتابات بعض من يريد منعهم من الكتابة وكان ينتهى الخلاف كل مرة إلى كفالة حق هؤلاء فى الكتابة والتعبير».
كان السادات - كما كان عبدالناصر - عارفا بقدر وقيمة وقامة قلم عبدالرحمن الشرقاوى، كان قلمه لا يكتب إلا ما يؤمن به ويرى أنه الحقيقة كما يراها أو يتصورها أو يعتقدها!!
لقد وقف «الشرقاوى» مع الرئيس السادات فى معركة 15 مايو 1971 ضد خصومه من رجال عبدالناصر، ويقول «موسى صبرى» فى مذكراته :
«زارنى» عبدالرحمن الشرقاوى صباح يوم 15 مايو وطلب منى نشر مقال بقلمه عن القهر والاستبداد وإهدار إنسانية الإنسان فى حكم مراكز القوى، ونشرت المقال بعرض الصفحة الأخيرة وكان قمة فى بلاغة الكلمة!
ثم فوجئت بعد أيام بمقالين لأحمد بهاء الدين ومحمد سيد أحمد فى الأهرام خلاصتهما أن من يصفون أحداث 15 مايو بأنها ثورة يريدون إلغاء ثورة 23 يوليو!! وكنت أول من استخدم هذا التعبير «ثورة 15 مايو» لاقتناعى بأن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية يعبر عن ثورة حقيقية تغير كل الأوضاع.
وجاءنى «عبدالرحمن الشرقاوى» ضائقا بهذا الذى نشر فى الأهرام وكان الشرقاوى مقتنعا أيضا بأن أحداث 51 مايو هى ثورة واستخدم هذا التعبير فى مقالاته بعد ذلك!
واتصلت بالرئيس السادات تليفونيا وأوضحت له وجهة نظرى فى هذا الاتجاه الجديد الغريب الذى ظهر فى مقال «أحمد بهاء الدين» و«محمد سيد أحمد» وقلت له إن «عبدالرحمن الشرقاوى» جالس أمامى.
فقال لى السادات : رأيى أن ما نشروه هو كلام فارغ، وأبلغ «عبدالرحمن الشرقاوى» أننى كنت أتمنى لو استطعت أن أكتب بقلمى ما كتبه بقلمه!
فى علاقة «الشرقاوى» بالرئيس السادات مواقف حادة، وأخرى طريفة وكانت بداية العلاقة بينهما على درجة كبيرة من التوتر والحدة والغرابة، رواها بقلمه الرشيق الكاتب الكبير الأستاذ «فتحى عبدالفتاح» فى مذكراته «ثنائية السجن والغربة» حيث كتب يقول :
كان الشرقاوى قد انتقل للعمل كاتبا فى جريدة الجمهورية التى كان يرأس مجلس إدارتها البكباشى «أنور السادات» عضو مجلس قيادة الثورة.
وقد كان يذهب كل ليلة إلى الجريدة ببدلته العسكرية ويحرص على كتابة مقال يومى على عمودين فى الصفحة الأولى، فلقد كان لديه شبق وحتى قبل الثورة للكتابة فى الصحف، وعندما اختير السادات سكرتيرا للمؤتمر الإسلامى الذى أعلن عن تشكيله فى القاهرة بدأ يوجه كتاباته وكأنه القائد المسئول عن العالم الإسلامى فى كل بقعة من الأرض!
وبدأ سلسلة من المقالات عما أسماه تحرير المسلمين فى الاتحاد السوفيتى والخطر القادم من الشرق.
وقد حدث فى تلك الأيام أن الشرقاوى كتب مقالا فى إحدى صفحات الجمهورية الداخلية يطالب فيها بمحاولة إقامة علاقات مع الدول الاشتراكية بما فيها الاتحاد السوفيتى، وخاصة بعد إصرار الغرب والولايات المتحدة على تجاهل أمانينا الوطنية والقومية سواء فى تسليح الجيش أو فى تمويل بعض المشروعات الاقتصادية المهمة!
وفى المساء وعندما كان السادات يتصفح بنفسه بروفات الجريدة الماثلة للطبع، ينبهه أد المحررين الصغار فى ذلك الوقت إلى مقالة «الشرقاوى» التى جاءت فى تعارض تام وحاد مع مقالة «السادات» فى الصفحة الأولى!
الأمر الذى أثار حفيظة السادات واستثار غضبه وهياجه الألمانى العنيف وخاصة أنه قد تصور أن «الشرقاوى» يتعمد الرد عليه!
وأعطى أوامره لمدير مكتبه نصف المصرى ونصف الألمانى «آبلر» أو «حسين عزت» أن يكلف «أحمد أنور» مدير الشرطة العسكرية بإحضار هذا «الشرقاوى» من تحت الأرض وفورا، وانطلقت الشرطة العسكرية فى القاهرة تبحث عن ذلك الكاتب الآبق الذى تجرأ وهاجم أفكار السيد البكباشى عضو مجلس قيادة الثورة ومدير الجمهورية!
وعثروا عليه قبل منتصف الليل مع مجموعة من الأصدقاء فى مقهى صغير بميدان تريمف بمصر الجديدة، واقتادوه قسرا وركلا إلى الدور الثالث فى مبنى الجمهورية فى شارع الصحافة فى ذلك الوقت حيث كان «السادات» ومكتبه يتابعان العملية كواحدة من أخطر العمليات العسكرية»
ويتوقف فتحى عبدالفتاح عن الكتابة ويستعين بما كتبه «الشرقاوى» نفسه فى هذا اللقاء العاصف، والمثير ما بين منتصف الليل والفجر فيقول :
«أدخلونى إلى الغرفة الواسعة للبكباشى أنور السادات ووقفت وسطها مشدوها مشدا خائرا وخائفا، أن أحدا من الذين ألقوا القبض على فى القهوة لم يكلف نفسه بتفسير لما يحدث، ولم أعرف سوى أن البكباشى طلبنى للمثول بين يديه!
وأخذت أتأمله وهو يدور حولى ويلعب بمسدس فى يديه مركزا نظراته علىّ ومزمجرا أحيانا فى غضب، لم أكن أعرفه من قبل ذلك، وكان كل ما سمعته عنه قبل الثورة هو اشتراكه مع آخرين فى التجسس لحساب الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية فى دهبية الراقصة «حكمت فهمى» ثم اشتراكه فى محاولة اغتيال أمين عثمان ومصطفى النحاس، وقد كنا نسميه فى جلساتنا الخاصة «أبو الأسود الهتلرى» نظرا لإعجابه الشديد والواضح بالنازية!
وصرخ البكباشى «أنور السادات» فجأة حتى أنى تصورت أنه أطلق رصاصة من مسدسه : كيف تجرؤ يا........؟!
وحزمت أمرى وتساءلت : أجرؤ على ماذا يا أفندم ؟!
- مقالك المسموم أيها الشيوعى القذر.. كيف تجرؤ على أن ترد على كتابتى وفى نفس الصحيفة التى أرأسها؟!
وخرجت كلمات تلقائية عفوية منى : هو حضرتك كتبت إيه ؟!
وكأنما صببت زيتا على النار المشتعلة، فزاد هياج البكباشى «أنور السادات» وشتائمه التى لا أستطيع حصرها، وقد ظلت عيناى وأحاسيسى كلها مركزة على المسدس فى يده، فلقد كنا نسمع عن صراع المسدسات الذى يدور أحيانا فى مجلس قيادة الثورة، ثم قال يحسم الأمر وهو يضع المسدس فى جرابه فى حركة تمثيلية رائعة:
- خسارة فيك الرصاصة، خذوه وارموه زى الكلب فى السجن الحربى!
- وانطلقت بى عربة البوليس إلى السجن الحربى فى العباسية وألقوا بى فى زنزانة صغيرة مظلمة، ظللت قابعا فى الزنزانة فى حالة قرفصاء يفرضها إحساسى المتزايد بالبرد والخوف، وكل حواسى تتركز فى أذنى التى أصبحت مثل رادار مرهف يسمع أو يتسمع نباح كلب فترتجف أوصالى لما لكلاب السجن الحربى من سمعة مدوية، أو صرخة مكتومة مشروخة فتتوالى فى ذهنى المكدود كل ما كان يحكى من تهاويل يشيب لها الولدان فى السجن الحربى ، ساعتان أو تزيد كنت فى حالة استيقاظ نائم أو نوم مستيقظ!
- ويمضى الأستاذ «الشرقاوى» قائلا:
- والتقطت أذنى فيما التقطت أذان الفجر يأتى متماوجا متقطعا من بعيد، وفجأة سمعت وقع أقدام تقترب وهمهمات حديث خافت ثم المفتاح يدور فى غلظة ويفتح باب الزنزانة فى صرير مزعج ويطل على اثنان يحملان كشافا قويا، كان أحدهما البكباشى «أنور السادات» أما الآخر فقد كان قائد المعتقل «حمزة البسيونى» الذى استلمنى منذ ساعات!
ووقفت ملتصقا للحائط فى انتظار قبضة قوية تهوى على وجهى أو كلب مسعور يطلق فى الزنزانة، ولكن «السادات» بادر قائلا فى صوت بدا لى غريبا:
- تعال يا شرقاوى «تعال» أخرج!!
- ولا أدرى ما الذى دفعنى إلى الاستنجاد بقائد المعتقل مستجيرا من الرمضاء بالنار، قائلا فى ابتهال: يا سيادة القائد أنا أمانة هنا فى سجنك.. أرجوك!
وضحك قائد المعتقل ضحكة طفولية، وحتى الآن لا أدرى ما العلاقة بين القسوة والضحكة الطفولية: ماتخفش يا شرقاوى.. سيادة البكباشى عفا عنك!!
وقهقه السادات» قائلا : خلاص يا حمزة، هات دفتر سجنك أمضى على استلامه، عاوز يطمئن يا سيدى، أصلك ما تعرفش المثقفين يا حمزة!
وخرجت معهما صامتا ونسمات الفجر الندية غير قادرة إلا على زيادة هواجسى، وعلى باب السجن، كانت هناك عربة فولكس فاجن صغيرة فتحها «السادات» وأجلسنى بجواره ثم انطلق يقودها بنفسه، وخلال الطريق وحتى منزله فى الهرم كان كل حديثه عن نضاله فى الأربعينيات ودوره فى الثورة، واهتمامه بالكتابة فى الصحف والمجلات، وأنا أسمع فقط، وأحاول عبثا أن أستكشف الموقف!
ودخلنا منزله مع تباشير الصباح الأولى، وجلسنا فى غرفة المكتب الصغيرة ثم قال لى مازحا:
- تحب تفطر فول وطعمية زى حالاتى، ولا أنت من بتوع المربى والزبدة!
ثم بدأ «السادات» على الفور يقدم لى صورا مما كان يكتبه فى الصحف فى الأربعينيات مؤكدا أن الكتابة هى مهنته المفضلة ثم متسائلا بشىء من الاستنكار والعتاب كيف أنى لم أقرأ له قبل ذلك؟!
- وعلى مدى ساعتين دار حوار أو بمعنى أدق منولوج من ناحيته حكى لى فيه أشياء كثيرة كانت غالبيتها تدور حول شخصيته ونضاله وبين الحين والآخر يطلب منى أن أنسى ما حدث مؤكدا إعجابه الشخصى بشجاعتى المزعومة التى أكدت لى أننى كاتب يعتز بأفكاره».
وما أكثر المعارك السياسية والفكرية والأدبية التى خاضها عقل وقلم «عبدالرحمن الشرقاوى»، وكلها تندرج تحت عبارته الأثيرة «شرف الكلمة»!
وفى تحليل بالغ الدقة يرصد الأستاذ الكبير «صلاح حافظ» رفيق مشواره الباهر فى تجربة روزاليوسف - كتب يقول :
- كان نصف معارك الشرقاوى مع اليسار وهو يسارى، وهو صاحب الأرض ومن أب مصرى إلى الرئيس ترومان وأقدر من نسب الفكر اليسارى الحديث إلى جذور التراث العربى القديم وترجمه إلى لغة ذلك التراث وغذاه من تربته
وأيضا كان النصف الآخر من معارك الشرقاوى مع الإسلاميين وهو «مسلم» وهو صاحب «محمد رسول الحرية» و«الحسين شهيدا» وصاحب ترجمات «على وأبى بكر» وأقدر من استخلص من التراث الإسلامى قيمه الباقية على مر الزمان، والقادرة على أن تعيش أبد الدهر فى عصر الحريات والثورات وحقوق الإنسان.
ولم يكن الشرقاوى خصما لليسار فى كل ما كتب ضد بعض اليساريين، ولم يكن خصما للإسلام فى كل ما كتب ضد بعض الإسلاميين، وإنما كان يستفزه التطرف هنا مرة، والتطرف هناك مرات، والتطرف يعنى المبالغة، ويعنى تصوير الحقائق فى غير حجمها، ولى ذراع الكلمات حتى تخدم هوى صاحبها.
وكل هذا كان الشرقاوى يراه ابتذالا للكلمة وقهرا لها وعدوانا على شرفها!»
هكذا كتب «صلاح حافظ» عن قامة وقيمة الشرقاوى، ولا ينسى أحد ما قاله الشرقاوى فى أعقاب تغييرات صحفية وكان وقتها عضوا بمجلس الشورى، وقال وقتها :
- هناك قيادات صحفية تتصرف كسلطة دون مراعاة حتى لمصلحة الصحيفة لقد طرحت فى مجلس الشورى أكثر من مرة قضية انتخاب رئيس التحرير وألححت وكتبت، ولكن مع الأسف مجلس الشورى كله «حزب وطنى» باستثناء اثنين أو ثلاثة مستقلين والالتزام الحزبى قد يكون عندهم أقوى من الالتزام بمصلحة الصحافة، إننى أقول لهم ابحثوا عن مصلحة الصحافة أولا ثم مصلحة الحزب»!
الشرقاوى المفكر والإنسان والموقف كان ضمير أ



