بقلم : رشاد كامل

رشاد كامل
إننا فى مصر نؤمن بالفشل ونعبد الفاشلين.
الفشل فى كل مكان، وأمام كل خطوة، ووراء كل زعيم، وفى حنايا كل «ملف»، وفى ظلام كل «درج»، وفى طيات كل صوت، والفاشلون
هم الذين يحكمون مصر وهم الذين يسوقونها من فشل إلى فشل ثم إلى ألف فشل.
رئيس الوزراء فاشل كبير، فشل فى أن يحقق أهداف مصر القومية وفشل فى أن يصون نزاهة الحكم، وفشل فى أن يحتفظ بقوة الشعب وفشل فى أن ينتصر للدستور، وفشل فى أن يوفر قوت الشعب، وفشل فى أن يجمع من حوله وزراء ناجحين، وفشل فى أن يصلب عوده أمام الأزمات، بل انحنى لها حتى أصبح يتقدم إلى الوراء زاحفًا على بطنه!
والوزير الذى يتولى القضية الوطنية، وزير فاشل، فشل فى أن يحقق أهداف مصر، وفشل فى أن يصون كرامة وطنه، وفشل فى أن يغطى فشله، وترك وجه مصر تكويه صفعات الإنجليز، وسمع بأذنه أنه لا أمل فى الجلاء، وأن لا أمل فى الوحدة، فلم يقاوم، ولم تهده عبقريته- أو وطنيته- إلى طريق جديد يسير فيه، إنما استمر فى طريق الفشل لا يحيد عنه، ولا يخجل منه ولا يداريه، ورغم ذلك فلايزال وزيرًا مهمًا من وزراء مصر.
والوزير الذى يتولى شئوننا المالية وزير فاشل.. فشل فى أن يجعل من ميزانية مصر ميزانية محترمة، وفشل فى أن يوقف التضخم المالى وفشل فى أن يرضى الطوائف، وفشل فى أن يمول المشروعات الكبرى، وفشل فى أن يفرض إرادته على الأغنياء، وفشل فى أن يوقف شهوات أصحاب النفوذ، وفشل فى أن يصون مال الدولة من أيدى المختلسين والمتطفلين و«المراقيع» الطامعين!
وهو نفسه وزير الداخلية وقد فشل فى أن ينأى بالإدارة الحكومية عن الحزبية، وفشل فى أن ينشر الاطمئنان والاستقرار فى كل قرية وفى كل مديرية، وفى صدر كل عمدة، وكل مأمور، وكل كونستابل وشيخ خفر، وفشل فى أن يضع للجريمة حدًا وللوساطات حدًا وللخلاعة حدًا.
ووزراء التموين والأشغال والتجارة.. إلخ، كلهم فاشلون، وكلهم لا يدارون فشلهم، بل يفخرون به!
والرجل الذى يتولى شئوننا العربية فاشل بطبيعته، فاشل من يوم ولد، ولا يكاد يرى إلا والفشل من ورائه.. اشترك فى حرب طرابلس ففشلت الحرب، واشترك فى وزارة على ماهر، ففشلت الوزارة وفشل على ماهر، وساهم فى إنشاء الجامعة العربية ففشلت، ونظم حرب فلسطين ففشلت، وساهم فى حركة تحرير ليبيا ومراكش.. إلخ.. ففشلت كل حركات التحرير التى اشترك فيها، ورغم ذلك فهو يعتمد على هذا الفشل فى الاحتفاظ بمنصبه وفى تجديد مدة خدمته كلما ارتفع صوت بإبعاده.
والمعارضة يتولاها زعماء فاشلون، فشلوا فى اكتساب ثقة الشعب وفشلوا فى مواجهة الحقائق السافرة، وفشلوا فى وقف طغيان الحكومة وأخطائها.
كلهم فاشلون.
ورغم ذلك فليس بينهم واحد يخاف من فشله أو يندم عليه، بل إن هذا الفشل هو الذى يؤهله لحكم مصر، وهو الذى يحتفظ له بسطوته ونفوذه، وهو الذى يؤهله للمنصب وللجاه وهو الذى يقدمه على خلق الله ويضعه فوق رؤوس الناس.
إن قائمة الفشل فى يد أى رجل من رجالات مصر هى التى تفتح أمامه الأبواب، وهى التى تمهد أمامه الطريق، وهى التى تقربه وتحقق أحلامه، وكم من زعيم فشل وقلنا: لن يعود، فإذا به يعود موفور السلطان والجاه ليفشل مرة ثانية ثم ليعود مرة ثالثة.
وويل للناجحين.
وويل للحر الأبى الذى يخشى ضميره، ويخشى الله فى وطنه!
وويل للكفء الذى ينظر إلى الأمور نظرة جدية، ويعمل متعمدًا النجاح لا متعمدًا الفشل!!
ويل لمن يحاول أن يجعل من مصر دولة منتصرة ناجحة!
ويل له فالأبواب تغلق من ورائه، ومن أمامه، والجبروت الظالم يطارده أينما حل، والتهم المفتراة، تلاحقه فى كل يوم، فإن كل عاقل وطنى ناجح معناه فى مصر إنه شيوعى، أو أنه متطرف يسعى لقلب نظام الحكم.
اطردوا الفاشلين ودعوا الناجحين يأخذون مكانهم فى قيادة مصر.
جربوا صنفًا آخر من الرجال غير هذا الصنف الذى أثبت فشله.. وارحموا مصر من الفشل.
∎∎
ولم تكن كل السطور السابقة سوى النص الكامل لمقال الكاتب الجسور أستاذنا «إحسان عبدالقدوس» على صفحات العزيزة «روزاليوسف» بتاريخ الثامن من يوليو سنة 1591 أى قبل قيام ثورة يوليو 2591 بحوالى سنة وأسبوعين بالتمام والكمال.
مقال عمره إحدي وستون سنة أيها الأصدقاء والأحباء والخصوم والموالسون والمنافقون والمناضلون والصادقون والمزيفون يا بتوع نضال آخر زمن!
واحد وستون عامًا ونحن حكامًا ومحكومين، نخبة وغير نخبة نلف وندور حول أنفسنا ونتلذذ بالفشل.
هل نحن كما قال عنا ذات يوم «حافظ إبراهيم» شاعر النيل:
وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم
هى أمة تلهو وشعب يلعب!
هل نحن كما وصفنا «حافظ إبراهيم» أيضًا فى قصيدته عام 4091 وكانت بمناسبة الضجة التى هزت مصر سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا فى زواج الشيخ «على يوسف» أشهر صحفى ذلك الوقت من صفية ابنة الشيخ السادات ويقول حافظ إبراهيم ذلك المبدع الذى لن يتكرر:
وكم ذا بمصر من المضحكات
كما قال فيها «أبو الطيب»
أمور تمر وعيش يمر
ونحن من اللهو فى ملعبِ
وصحف تطن طنين الذباب
وأخرى تُشن على الأقربِ
وهذا يصيح مع الصائحين
على غير قصد ولا مأربِ
فيا أمة ضاق عن وصفها
جنان المفوه والأخطبِ
تضيع الحقيقة ما بيننا
ويصلى البرىء مع المذنبِ
ويهضم فينا الإمام الحكيم
ويكرم فينا الجهول الغبىِ
∎∎
ماذا جرى لنا، وماذا فعلنا بهذا الوطن؟!
ثورات وثرنا من ثورة عرابى سنة 2881 حتى ثورة 52 يناير سنة 1102، غضب وغضبنا، مظاهرات وتظاهرنا، حروب أربع وحاربنا، نظام ملكى وجربناه، نظام جمهورى وجربناه، اشتراكية وجربناها، رأسمالية وجربناها، دكتاتورية وعملنا، استبداد وأطحنا به، غناء وغنينا، كورة ولعبنا، نوبل وحصلنا عليها أكثر من مرة، فضائيات أكتر من الهم على القلب، ومليونيات وهتافات وشعارات، وتحرش جنسى من الولد للبنت، وبتوع النت!
وبعد كل هذا مش عارفين نعمل دستور محترم؟! مش عارفين نحاسب قتلة الشباب منذ قيام الثورة وحتى الآن؟!
مش عارفين نلاقى الطرف الثالث واللهو الخفى؟! مش عارفين سر تكرار حوادث القطارات طوال عشرين سنة؟! مش عارفين نحل كارثة الدعم الذى يذهب لجيوب اللصوص وغير المستحقين؟! مش عارفين نعمل دورى صح؟! مش عارفين نلاقى حل لكارثة المرور وتدهور التعليم والصحة والأخلاق؟!
ناقصنا إيه عن كل شعوب الدنيا؟ شعوب طحنتها الحروب العالمية والكوارث الطبيعية، ومات منها الملايين، لكنها نهضت وصمدت وصارت فى مقدمة الدول العظمى: ديمقراطيًا واقتصاديًا وتعليمياً وكل شىء.
سؤالى العبيط: لماذا هم كذلك ونحن أيضا كذلك؟!
وما بين كذلك بتاعتهم، وكذلك بتاعتنا أستعيد عبارة الرائع الجميل ناقدنا المحترم المرحوم نجيب المستكاوى الذى كان يختم مقاله قائلا:
- جاتكوا القرف!!
فعلا يا عم نجيب- الله يرحمك- جاتنا القرف!!



