الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

عشت زمن «مصطفى أمين» ورفاقه من عمالقة صحافة مصر والعالم العربى.

قرأت لهم، وحاورتهم، ونشرت معظم هذه الحوارات على صفحات العزيزة الغالية مجلة «صباح الخير».. كتابات ومقالات وآراء وأفكار «مصطفى أمين» بالنسبة لى هى أغنية عشق لا تنتهى، وقصيدة حب لا تموت، وراية حرية لا تنتكس، ودفاع مجيد ومستميت عن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية.

رحل مصطفى أمين منذ سنوات وبقى ما يدافع عنه حيًا لا يموت!

فى شتاء عام 0891 أصدر الأستاذ «مصطفى أمين» كتابه «تحيا الديمقراطية» فى زمن الرئيس الراحل «أنور السادات»، والمؤكد أن «السادات الحاكم» قد أغضبه بعض أو أغلب ما جاء فى الكتاب، لكن «الثعالب الصغيرة» حول السادات سواء فى حزبه أو الحكومة قد ضاقوا بما كتبه!

كتب «مصطفى أمين» يقول:

«آمنت دائمًا بأن لا مستقبل لمصر إلا بالديمقراطية، وكلما أصيبت الديمقراطية بأزمة أو نكسة تضاعف هذا الإيمان، إن الآمال العظيمة لا تتحقق إلا بتضحيات عظيمة.

مصر عرفت الديمقراطية عدة مرات، وفقدت الديمقراطية عدة مرات، ولم ييأس هذا الشعب أبدًا، كلما انتزعت منه حارب من أجلها، وجاهد لاستردادها، مات الشهداء وهم يهتفون لها، وصعدوا فوق المشانق وهم يتمسكون بها، ودخلوا السجون وهم يصرون عليها.. طالب السيد «عمر مكرم» بالديمقراطية وحق الشعب فى اختيار حاكمه، واختار الشعب «محمد على» حاكمًا! وانقلب «محمد على» على الذين انتخبوه، وداس على رؤوس الذين رفعوه، واستمر «عمر مكرم» يقود حركة الشعب ضد طغيان «محمد على»، ولم يسكته النفى ولم يضعفه الإبعاد!

وطالب «أحمد عرابى» بالديمقراطية، وواجه الخديو «توفيق» بمطالب الشعب فى تأليف مجلس نيابى، ونادى «مصطفى كامل» بالدستور وكان الطلبة يواجهون عربة الخديوى فى الشوارع هاتفين:

- الدستور يا أفندينا!

وقام الشعب بزعامة «سعد زغلول» يدعو لحكم الشعب وبأن الأمة مصدر السلطات، ورأى ميدان عابدين مئات الألوف من المصريين نساء ورجالاً يزأرون فى وجه الملك «فؤاد» «سعد أو الثورة» واضطر الملك الطاغية أن يخضع وانتصر الشعب.. واستمرت المعارك بين الشعب والطغاة، ولم تتوقف أبدًا.

فى سنة 5291 وقف الشعب ضد ديكتاتورية «الملك فؤاد» و«أحمد زيور»- رئيس الحكومة- وانتصر الشعب وهُزم الملك وأسقط رئيس الوزراء.

فى سنة 8291 وقف الشعب ضد ديكتاتورية «محمد محمود» رئيس الوزراء، وانتصر الشعب وهزم الملك ومحمد محمود.

وفى سنة 0391 وقف الشعب ضد ديكتاتورية «إسماعيل صديقى» وانتصر الشعب وهزم الملك فؤاد!.. لم تتوقف معارك الشعب من أجل الديمقراطية يومًا واحدًا، لم يسقط العلم من يد الشعب يومًا واحدًا، إذا سقط شهيد قام بعده ألف شهيد.

بقى الشعب وذهب الطغاة.

واستمرت محاولات الديكتاتورية، واستمرت مقاومة الشعب، ولم يحدث مرة واحدة إن رضى الشعب بالديكتاتورية، كان الطاغية دائمًا يضطر أن يقيده بالسلاسل فلا يتحرك، ويكممه فلا يتكلم، ويضع العصابات على عينيه حتى لا يرى الجرائم التى ترتكب.. ولكنه كان دائمًا يحطم السلاسل، وينزع الكمامات والعصابات، وترتفع صيحات الشعب: تحيا الديمقراطية».

∎∎

كتب «مصطفى أمين»:

الحكم الديكتاتورى سهل، ولكن الحكم الديمقراطى صعب.. الحكم الديكتاتورى يحتاج إلى كرباج، والحكم الديمقراطى يحتاج إلى العقل، الحكم الديكتاتورى يحتاج إلى الزبانية، والحكم الديمقراطى يحتاج إلى العلماء والفلاسفة والحكماء، الحكم الديكتاتورى يحتاج إلى الطبل والزمر والحكم الديمقراطى يحتاج إلى البحث والدرس، الحكم الديكتاتورى يضع الأفكار والمفكرين فى المعتقلات والسجون، والحكم الديمقراطى يناقش الأفكار علنا فى المجتمع المفتوح.

يجب أن نتعلم أن نختلف، بعد أن تعلمنا فى الماضى كيف نطيع، أن نتعلم كيف ننقد، بعد أن تعلمنا كيف نؤيد؟! يجب ألا تحمل صحافتنا المباخر أمام الحكام، بل تحمل الشموع أمامهم ليروا طريقهم فى النور، يجب أن نعلم إنه إذا أحبك الحاكم فلن يستطيع أن يرفعك فوق الرؤوس، وإذا كرهك فلن يستطيع أن يضعك تحت الأقدام.. الحكام ليسوا آلهة، وإنما هم موظفون عند الشعب، يعينهم ويقيلهم يحاسبهم، ويؤيدهم، تستطيع أن تختلف مع الحاكم فلا يعتبر خلافك معه خيانة وطنية أو كفرا بالله! ولاتفقد حريتك ولاوظيفتك ولا حقك فى الحياة، هذه هى الديمقراطية طريق الديمقراطية هى طريق الخلاص.

∎∎

كتب «مصطفى أمين» يقول:

عندما نطالب بسيادة القانون، نطالب فى الوقت نفسه بالضرب بشدة على أيدى الخارجين على القانون، ونعتبر كل من يشهر سلاحه فى وجه القانون، إنما يشهر سلاحه فى وجه الشعب كله، والذين يتوهمون أن معنى الحرية أن نكون أحراراً فى مخالفة القانون إنما هم أعداء الحرية وأعداء الشعب، فالقانون لايسود إلا إذا احترمناه جميعا وإذا جررنا القانون من أنيابه فقد احترامه، وإذا فقد احترامه داسته أحذية الأقوياء والظالمين، ولكى يبقى القانون سائدا يجب أن يشترك كل مواطن فى الدفاع عنه وفى حراسته.

وفى عصر حكم الفرد يصبح الحاكم هو حارس قانونه، ويصبح الأمن مسئوليته وحده، أما فى العصر الديمقراطى فإن الشعب هو الذى يحرس القانون أولا لأنه بذلك يحمى نفسه.. معنى الديمقراطية أن نوضح للشعب كل قرار نتخذه لا نفاجئ الشعب بقرارات وإنما نناقش كل قرار، نسمع وجهات النظر المختلفة وكثيرا ما سوف نستفيد من تباين الآراء واختلاف وجهات النظر.

نعم الديمقراطية لها عيوب، ولكن من الممكن علاج كل هذه العيوب بديمقراطية أكثر.. أول أساس للديمقراطية هو حرية المواطن فى أن يختلف مع الحاكم فى الرأى فلا يعاقب على رأيه، ولايرغم على السكوت، ولايفصل من حزبه أو من وظيفته أو من جريدته أو من عمله أو من عضوية البرلمان.

ديمقراطية معناها ديمقراطية فى كل شىء.

إن الفرق بين الديكتاتورية والديمقراطية أن الحاكم الديكتاتور لايجيب عن أى سؤال، والمواطن ليس من حقه أن يوجه إلى الديكتاتور أى سؤال، أما فى العهد الديمقراطى فواجب الحكام أن يجيبوا عن أى سؤال، ومن حق الشعب أن يوجه أى سؤال.

كتب «مصطفى أمين» يقول:

كان قضاة مصر طوال تاريخها مفخرتها، وقفوا للخديو «عباس» فى جبروته وحكموا عليه عندما أراد أن يغتصب مال فلاح فقير، واجهوا الملك «فؤاد» فى سطوته عندما أراد أن يستولى لنفسه على وقف الأميرة إلهامى أم الخديو المخلوع، تصدوا لديكتاتورية «إسماعيل صدقى» عندما هاجم «عبدالعزيز فهمى» رئيس محكمة النقض ، الحكومة فى حكم مشهور لأن مأمور مركز البدارى عذب فلاحا صغيرا، واستقال يومها وزير العدل ثم استقالت الوزارة كلها.. تحدى قضاة مصر الجيوش البريطانية والأساطيل البريطانية عندما برأوا الدكتور «أحمد ماهر» و«النقراشى» وزملاءهما بينما الحكومة البريطانية تطالب برؤوسهم فى مذكرة رسمية.

تحدى قضاة مصر الملك فاروق عندما أصدر الدكتور «السنهورى» رئيس مجلس الدولة حكمه بإعادة مجلة الاشتراكية التى عطلها الملك لأنها هاجمته بأقسى لسان.

قضاة مصر صمدوا للعواصف، ثبتوا فى مواجهة قوى القهر والطغيان ولم يخضع القضاة المصريون للتهديد، فاضطرت مراكز القوى إلى الالتجاء إلى محاكم الدجوى والمحاكم الاستثنائية لتحكم بأمر الحاكم بدلا من أن تحكم بشريعة الله، ولم يكفهم ذلك بل طردوا جميع قضاة مصر فى يوم واحد وأعادوا بعضهم وأحالوا مئات منهم إلى المعاش لأنهم أصدروا أحكاما ترضى الله، وترضى ضمائرهم وترضى القانون وتغضب الحكام».

تحية «لمصطفى أمين» مدافعا عن الحرية والديمقراطية!∎

 

تم نسخ الرابط