الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 

بدون الشرعية، فإن أى حكم أو نظام، يصعب عليه أن يملك القدرة الضرورية على «إدارة الصراع» بالدرجة اللازمة لأى حكم مستقر لفترة طويلة.

صاحب السطور السابقة بالغة الأهمية والدلالة هو المفكر السياسى «ماكس ويبر» وقد جاءت ضمن واحد من أعمق وأهم مقالات أستاذنا الكبير المفكر «أحمد بهاء الدين» فى مقال عنوانه «شرعية السلطة فى العالم العربى»، فى مجلة «العربى» الكويتية (يناير 9791) أى يزيد عمره على الثلاثة وثلاثين عاما وبضعة شهور.

 

كان الأستاذ بهاء - رحمه الله - يتحدث فى مقاله عن ثلاثة تحديات داخلية أو ثلاثة أشياء علينا أن نحققها فى بلادنا أولا ونقيم عليها حياتنا ونجاهد فيها أنفسنا.

أولا: الديمقراطية وحرية الرأى وأمرهما واضح.

ثانيا: العقلانية: وليس ذلك معناه إلغاء العاطفة، فالعاطفة فى حياة الشعوب أمر أساسى، حب الوطن عاطفة وحب العدل عاطفة، إنما علينا أن نقرن التأثر بالعاطفة مع درجة كافية من العقلانية، فيكون فكرنا وتصرفاتنا وسياساتنا كلها قائمة على العقل والقلب معا.

ثالثا: الشرعية.

وقد تكون الشرعية هى أكثر الشروط حاجة إلى الإيضاح والتفسير  ذلك إنها تختلط من الوهلة الأولى «بالقانونية» أى بالجانب القانونى والشكلى للشرعية، فى حين أنها فى مجال فلسفة السياسة والحكم أوسع من ذلك وأعمق فى معناها ومغزاها.

ثم يكتب الأستاذ بهاء سطور المفكر السياسى «ماكس ويبر» التى بدأت بها هذا المقال ليؤكد قائلا:

الحكم فى محاولته امتلاك عنان الأمور والقدرة على مواجهة المشاكل والتحديات، تختلف قدرته وكفاءته اختلافا كبيرا، بين حالة يكون فيها الناس معه، وحالة يكون فيها الناس ضده أو ليسوا معه، سواء كانوا ضده بالاعتراض والرفض والمقاومة، أو بالسلبية والإهمال وعدم التفاعل معه.

وأى حكم قد يتمكن من تحقيق «استمرار وضع ما» عن طريق القوة أو العادة، ولكن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تظل قلقة، مصدر ضعف للسلطة والوطن معا إلى أن يقتنع المحكوم بجدارة الحاكم وأحقيته فى أن يحكم ويدير له أموره عنه!

∎∎

ويكمل الأستاذ بهاء جوهر فكرته بالقول: «فاقتناع الشعب» بأحقية السلطة وجدارتها هذا الاقتناع هو جوهر الشرعية ومغزاها، لا تغنى عنه كل أشكال السطوة والرهبة والنفوذ حتى لو أحاطت نفسها بعشرات الدساتير والقوانين.

ويقول «دافيد إيترن» فى هذا المعنى ذاته «قد يقبل المواطن بسلطة الحكم عليه لألف سبب وسبب، ولكن الشرعية هى أن يجد المحكوم أن من المقبول عنده والمناسب له، أن يطيع متطلبات النظام السياسى القائم إذ يجد أنها تتسق مع قيمه ومبادئه وأخلاقياته وأمانيه، ذلك ليس لمنفعة شخصية مباشرة له، ولكن بمعنى المنفعة العامة وعلى المدى الطويل».

والشرعية بهذا المعنى - يوضح الأستاذ بهاء - أوسع من التأييد أو المعارضة، فقد يكون هناك من يعارض السلطة، وقد يتذمر الناس من بعض قراراتها وسياساتها، ولكن هذه أمور طبيعية بل حتمية، ولا تنفى الشرعية، طالما شعر المواطنون أن السلطة فى توجهها العام، سلطة وطنية، منطقية مع التاريخ الوطنى، ومخلصة فى المجموع لإرادة الشعب، وللقيم العامة التى تربط أبناء الوطن الواحد بعضهم ببعض.

ثم ينتقل الأستاذ بهاء - الكلمة الصادقة وضميرها - إلى القول:

وحتى الثورة، إذا كانت ثورة حقا، فإن هدفها النهائى يفترض أن يكون «إقامة شرعية جديدة»، بل إن ما يفرق بين «الثورة» وبين «الانقلاب» هو هذا المعيار المهم، الثورة والانقلاب كلاهما يغتصب السلطة، ولكن الثورة تغير المجتمع وتقيم شرعية جديدة يعيش بها مرحلة استقرار جديدة، أما الانقلاب فهو يغتصب السلطة فحسب، وإذا بقى فيبقى باغتصاب السلطة المستمر وليس بمنطق شرعى جديد مستقر.

وقد يحيط مغتصب السلطة نفسه بكل أشكال الشرعية فأى حكم قد يتمكن عن طريق القوة من إقامة برلمان مثلا وإجراء انتخابات وإصدار قوانين وتشريعات، ولكنها تبقى كلها ستائر تخفى عدم الشرعية ولا تحل محل الشرعية.

فالقانون ليس أى ورقة عليها توقيع الحاكم، القوانين الخارجة من ضمير الناس معبرة عنهم فى الأساس وماعدا ذلك فهى قوانين لا تساوى فى ميزان الشرعية أكثر من ثمن الحبر الذى كتبت به.

∎∎

وبضمير الفقيه الوطنى يوضح الأستاذ «بهاء» ما يقصده قائلا:

وترى الناس فى مثل هذا الوضع تتلقى هذه القوانين بالإذعان، وقد تنفذها عن خوف، أو قد لا تقاومها عن سلبية وعدم اقتناع، ولكنها ليست بالنسبة لهم «مشروعة» وليس لها فى ضمائرهم أية مرتكزات.

وكما قلنا إن الشرعية غير «القانونية الشكلية»، وغير مجرد القدرة على البقاء فى السلطة، وإنها تختلف عن التأييد والمعارضة لقرارات السلطة، كذلك فإن الشرعية غير الوصف السياسى لنظام الحكم: ملكيا أو جمهوريا، موروثا أو جديدا، فالملكية والجمهورية وغيرهما من نظم الحكم لا ترتبط بالضرورة بالشرعية، لأن الشرعية كما هو واضح مما سبق ذكره هى معيار مستمد من نظرة «الرعية إلى السلطة» وليست مستمدة من طريقة وجود السلطة أو الأسلوب الذى سلكته للوصول إلى الحكم. إنما هذه أشكال للسلطة وليست هى التى تحدد ما إذا كان موقع السلطة من الناس هو موقع القوة أو موقع النفوذ.

والسلطة فى كل زمان ومكان تحتاج إلى القوة لضبط حياة المجتمع ولكنها لا تكون شرعية إذا كانت تعتمد على «القوة» فقط، إنما تكون «شرعية» إذا كان لها لدى الناس «قوة النفوذ» لا «نفوذ القوة»، فمن غير هذه الرابطة المعنوية بين السلطة والرعية لا تكون هناك شرعية.

الشرعية فى النهاية هى الانسجام بين الحاكم والمحكوم، وبغير هذا الانسجام الداخلى لن ترقى لنا حياة فى داخل بلادنا، ولن يقوى لنا عود فى خارج بلادنا، ولن يكون فى سياساتنا وممارساتنا أى انسجام!

ولكن السؤال الذى لابد أن يطرحه القارئ هو: إذن كيف نتعرف على وجود هذه الشرعية من عدم وجودها؟! وقد قلنا إنها غير «القانونية» وغير «السطوة» وغير الأشكال الدستورية؟!

وهو سؤال وجيه، وقد تكون الإجابة عنه فى غاية السهولة والبساطة، وقد تكون غاية فى الصعوبة والتعقيد!

يمكن أن تكون الإجابة فى غاية السهولة، إذا قلنا: لنترك كل هذه الحذلقات جانبا، ولنلجأ فقط إلى حس الناس البسيط وفطرتهم السليمة، ما هو شعورهم العام لدى الحكم القائم لديهم؟! هل يشعرون أنه يمثلهم، يناسبهم، ينتمى إليهم؟

إذن فالحكم شرعى «مرة أخرى بصرف النظر عن الموافقة أو المعارضة لبعض قرارات السلطة، فهذا أمر عادى» وهل يشعرون بغربة مع نظام حكمهم، بعزلة عنه، بانقطاع الصلة بينهم وبينه؟! إذن فهو حكم لا شرعية له!

وهذه حالة لا تخفى على أى مراقب عادى.

∎∎ـ

باختصار شديد أيها الأصدقاء مؤيدون أو معارضون وكما يقول عمنا «أحمد بهاء الدين»:

ليست كل ورقة تحمل سلطة تشريعية أو تنفيذية قانونا بهذا المعنى، قانون بمعنى الفرض نعم! قانون بمعنى قرار السلطة نعم!

ولكنه ليس قانونا بمعنى تعبيره عن روح المجتمع واتساعه لرغباته وأمنياته، وتجاوبه مع أفئدة الناس فى هذا المجتمع.

سلمت لنا يا أستاذ «بهاء» يا من يتجدد حضوره رغم غيابه!∎

 

تم نسخ الرابط