ربما فقدت الولايات المتحدة والرئيس أوباما أملهما فى «عواجيز جماعة الإخوان» منذ السقوط المدوى والفاضح والفادح بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، لكن أمريكا وأوباما لم يفقدا الأمل فى «شباب الإخوان» وربما كانوا أحد بدائلها المهمة فى الفترة القادمة!
راهنت أمريكا على عواجيز الإخوان فخيبوا أملها فى أن يكونوا بمثابة الذراع الإخوانية لها، فلماذا لا تجرب شباب الإخوان؟!
وما أقوله ليس تخاريف ما قبل النوم، لكنها الحقيقة المعروفة والمنشورة، لكن لا أحد يقرأ أو يهتم، والكل مشغول بالهمبكة فى الفضائيات أو رص الكلام وحشره فى أعمدة ومقالات لا يقرأها أحد، ولا حتى الذين يكتبونها!
منذ عشرة شهور وبالتحديد فى 14 نوفمبر من العام الماضى نشرت الزميلة «الشروق» دراسة أو تحقيقا أو مقالا للزميل اللامع الأستاذ «محمد المنشاوى» على صفحتها السابعة بعنوان خطيريقول: «مؤسسة مقربة من البنتاجون تنصح أوباما بالاستثمار فى شباب الإخوان»!
ولعل خطورة وأهمية ما كتبه الأستاذ محمد المنشاوى من قلب واشنطن أن المعلومات والحقائق الواردة فيه جاءت فى عز زمن وسطوة الجماعة وهى تحكم مصر، وتقول سطور الدراسة المهمة:
«أوصت دراسة صادرة عن مؤسسة أمريكية وثيقة الصلة بدوائر صنع القرار فى البيت الأبيض والبنتاجون الرئيس «باراك أوباما» بالانفتاح على شباب الإخوان المسلمين فى مصر دون التدخل فى شئون الجماعة ومحاولة خلق فرصة للتواصل معهم، كما نصحته بعدم اللعب على وتر الانقسام داخل الإخوان!
وأشار تقرير مؤسسة «راند» وحمل عنوان «الإخوان المسلمون: شبابها وتبعات التواصل الأمريكى»، إلى وجود ما سماه «تباينات حقيقية داخل تركيبة الجماعة الحاكمة لمصر، إضافة إلى غياب التناسق والتناغم وهو ما لا يظهر واضحا للكثير من الخبراء الأمريكيين».
ومؤسسة «راند» لشبابالشرق الأوسط تولى اهتماما منذ عدة سنوات بالتواصل بين صانعى القرار فى واشنطن وبين شباب دول الشرق الأوسط!
وقد لاحظت الدراسة تزايد الفجوة بين شباب جماعة الإخوان وبين قادتها التاريخيين من كبار السن حتى قبل اندلاع ثورة 52 يناير، وأن الثورة ساهمت فى اتساع دائرة الخلاف داخل الجماعة!
وكما يقول الأستاذ محمد المنشاوى، فإن الدراسة تقع فى ثلاثة فصول، يناقش الفصل الأول التعريف بشباب الإخوان ودورهم، حيث اعتبر أن الجماعة ليست استثناء من النمط المصرى العام الذى يتجاهل الشباب فى العملية السياسية بصفة عامة، ويقصرها على متوسطى وكبار السن! وأوضحت الدراسة كيفية جذب التنظيم للشباب عبر عمليات منضبطة فى الجامعات وطبيعة الأنشطة التى يساهم فيها الشباب من أعمال دعوية خيرية وسياسية!
كما أبرزت الدراسة الدور الذى لعبه شباب الجماعة أثناء الثورة فى مواجهة بلطجية الحزب الحاكم فيما يعرف بموقعة الجمل، إضافة إلى إدارتهم لعدد من المستشفيات داخل ميدان التحرير! «هذا ما تقوله الدراسة الأمريكية وهو ما يستحق مناقشته من شهود تلك الموقعة».
القضايا الخلافية بين الأجيال المختلفة داخل جماعة الإخوان المسلمين هى ما يتناوله الفصل الثانى من الدراسة وتتركز فى أربعة محاور رئيسية، وعلى رأسها الخلافات حول طبيعة أنشطة الجماعة التى تنقسم ما بين السياسى والدعوى والمطالبة بضرورة تحديد دور واضح للجماعة، ثم الموقف من بعض القضايا الاجتماعية الخلافية مثل الموقف من الأقليات والمساواة فى الحقوق بين الرجال والنساء، إلى جانب بطء أداء القيادات السياسية الحالية! وغياب الروح الثورية فى سلوكهم وقراراتهم.
أما المحور الرابع فهو طبيعة التنظيم الجامد داخل الجماعة والذى لا يسمح بسهولة الحركة ويضع عراقيل أمام التقدم للصفوف القيادية الأولى.
ويقول التقرير :إن متوسط أعمار أعضاء مجلس شورى جماعة الإخوان يبلغ 16 عاما، ومتوسط عمر قادة حزب الحرية والعدالة 59 عاما، وحجم الشباب داخل الإخوان يتراوح بين 210 و245 ألف فتى وفتاة!
أما الفصل الثالث والأخير فقد تضمن مجموعة من التوصيات لصانعى السياسة الأمريكية، من أهمها ضرورة الانفتاح على مختلف فئات الإخوان وشبابهم!
وانتقدت الدراسة اقتصار لقاءات الماضى بين المسئولين الأمريكيين وعدد قليل من قيادات شباب الجماعة المختارين بعناية ممن يجيدون اللغة الإنجليزية ويمتلكون رؤى سياسية معتدلة، ويدركون كيف يخاطب الغرب!
وطالبت بضرورة أن يتخطى المسئولون الأمريكيون هذه الفئة المذكورة وأن يبحثوا أو يصلوا إلى شباب الإخوان فى الأقاليم وهو شباب أكثر محافظة من الفئات التى تتعامل معها واشنطن!
كما نصحت الدراسة الإدارة الأمريكية بضرورة تشجيع أعضاء الكونجرس من الحزبين الديمقراطى والجمهورى على التواصل مع أعضاء البرلمان المصرى والتركيز على نواب حزب الحرية والعدالة بصفة خاصة! وأرجعت ذلك إلى الحجم السياسى للجماعة والحزب فى مصر، وأن الانفتاح على الآخرين يجب أن يتم وفقا لحجمهم السياسى أيضا!
وربما كان من أهم وأخطر ما جاء بدراسة مؤسسة «راند» التى كشفها باقتدار الأستاذ محمد المنشاوى هو أن قادة الإخوان سوف يعارضون الانفتاح غير المنضبط على شبابهم، وحذر المسئولون الأمريكيون من تجاهل قيادات الإخوان فى عملية الانفتاح على الشباب، حتى لا يقفوا عائقا أمام هذه اللقاءات ويعملوا على منعها، وكذلك أهمية استغلال كل برامج وآليات التبادل الشبابى والسياسى والدبلوماسى من أجل تفعيل مشاركة شباب الإخوان ضمن برامج الدبلوماسية الشعبية التى تشرف عليها وتنظمها وزارة الخارجية الأمريكية!
وتختتم الدراسة سطورها بكلام عادى وماسخ لم يتحقق منه حرف واحد من نوعية أن «التواصل المستمر بين الأمريكيين والإخوان يمثل فرصة جيدةللتعبير عن الخلافات بين الطرفين، كما أنه يدعم فكرة تقريب وجهات النظر!
وأن التواصل الأمريكى - الإخوانى من شأنه أن يدعم النقاش البناء حول قضايا مهمة حساسة مثل حقوق النساء والأقليات والانتقال الديمقراطى ومعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية والمساعدات الأمريكية لمصر».
تنتهى سطور الدراسة المهمة التى كشفها الأستاذ محمد المنشاوى منذ عشرة شهور ولم ينتبه لخطورتها أحد، ولم يفكر أحد من بهوات وأفنديات النخبة فى مناقشتها والتعليق عليها! فهم يتكلمون ولا يقرأون!
وتبقى بعض الأسئلة بلا أجوبة، فالأسئلة من عندى والأجوبة فى سراديب المقطم وعند عواجيز الجماعة والعشيرة!
1- ما رأى جماعة الإخوان فى هذه الدراسة ومضمونها؟
2- ما دور السفيرة الأمريكية السابقة آن باترسون فى الاتصالات بشباب الإخوان؟ وهل كانت سرية أم علنية؟
3- هل تم الاتصال بالفعل بين الإدارة الأمريكية وشباب الإخوان فىالمحافظات والريف؟
4- ما سر ذلك الرهان القوى على شباب الإخوان المسلمين؟ وهل هناك دور ما يعد لهم للعب دور ما فى المستقبل؟!
5- لماذا لا تقوم السفارة المصرية فى الولايات المتحدة بالحصول على النص الكامل لهذه الدراسة وإرسالها إلى الخارجية المصرية؟ وربما كان فى النص الأصلى ما هو أخطر وأهم!
6- بلاش السفارة المصرية أتمنى من الزملاء الأعزاء الصحفيين المصريين فى أمريكا الحصول على نسخة من تقرير مؤسسة «راند» ونشره كاملا وبالتفصيل! ما المشكلة فى ذلك؟!
7- وبعيدا عن ذلك كله، كل التقدير والاحترام للزميل المحترم محمد المنشاوى الذى قدم تقريرا رائعا عن هذه الدراسة.
8- المعرفة هى الحل!