الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 
فى هدوء وصمت رحل الدكتور «أسامة الباز»، ورحلت معه أسرار وحكايات ووقائع مهمة بالغة الأهمية من تاريخ مصر الحديث فى زمن «السادات» ومن بعده «مبارك»!
 
وكل من اقترب أو عمل مع د.«أسامة الباز» شهد له بالوطنية والذكاء وسعة الأفق والثقافة الواسعة، والقدرة الفذة والمذهلة على تبسيط أعقد القضايا السياسية !! خريج هارفارد ابن البلد !!
لقد رصد هؤلاء عشرات ومئات المواقف له خاصة أثناء مباحثات «كامب دافيد» الشهيرة ، وكان منطقه السياسى والدبلوماسى والوطنى «لقمة» فى زور أعضاء الوفد الإسرائيلى بل الأمريكى.
 
«موشى ديان» وزير الخارجية الإسرائيلى أثناء هذه المباحثات روى فى مذكراته «رؤية شخصية للمباحثات المصرية- الإسرائيلية» يقول:
 
أسامة الباز أحد كبار المسئولين بوزارة الخارجية المصرية ، ورغم أن «كامل» - محمد إبراهيم كامل - وزير الخارجية المصرى كانيرأس الوفد المصرى فى المحادثات إلا أن المتحدث المصرى الرئيسى كان «أسامة الباز» وهو قانونى يتسم بالوضوح والذكاء وسعة الاطلاع.
 
إذ درس فى جامعة «هارفارد»، نحيل الجسم يتفادى الجانب الاجتماعى فى هذه الاجتماعات قدر المستطاع، فعند تناول العشاء يجلس صامتا، يأكل طعامه فى بطء ، بيد أنه على مائدة المفاوضات يصبح مفعما بالحياة والنشاط ، وتكمن قوته فى كلماته اللاذعة ، ودرايته التامة بكل موضوع يطرح للمناقشة ، ووضوح صياغته له ، وردوده القاطعة فى النقاش التى تصل فى بعض الأحيان إلى حد العدوانية.
 
ولم يكن بوسعى أن أقرر ما إذا كان ملتزما حقيقة بإبرام اتفاقية سلام أم لا ، ولكن من الواضح أنه لا يكن أى ود للإسرائيليين ، ولم يخف كراهيته لاضطراره للجلوس معنا».
 
وفى موضع آخر يقول «ديان»: عرض الباز الموقف المصرى فقال إن القضية الفلسطينية هى جوهر المشكلة، وما لم تحل هذه المسألة، فلنيكون هناك حل للصراع القائم بين العرب وإسرائيل، إذا تجاهلناها فإنها ستنفجر مرات ومرات كما لو كانت بركانا خامدا لفترة مؤقتة.
 
 ويروى «ديان» قائلا : كان أسامة الباز المدافع الرئيسى عن المصريين وكثيرا ما استدعاه «كارتر» - الرئيس الأمريكى - مع «باراك أهارون» مستشارنا القانونى ، فكانا يجلسان ساعات طويلة فى محاولة للتوصل إلى نصوص متفق عليها.
 
 وفى أغلب الأحيان كان عناد «الباز» وتطرفه يثير حنق «كارتر» ويقول باراك إنه حتى عندما كان الأمريكيون يقترحون صيغة يتعين على المصريين التمسك بها فى إصرار ، كان «الباز» يرفضها وكان لا يصر على درج قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فحسب ، بل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحق اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، فى العودة إلى إسرائيل أيضا، بل إنه لم يكن على استعداد حتى لقبول صيغة أسوان التى أعلن عنها «كارتر» فى أسوان فى يناير 1948 والتى أيدها المصريون ذلك لأنها تعطى الحق لإسرائيل لرفض إقامة دولة فلسطينية، كان يريد أن تنص الاتفاقية بالتحديد على حق تقرير المصير للفلسطينيين».
 
أما شهادة وزير خارجية مصر فى تلك الفترة السيد «محمد إبراهيم كامل والتى جاءت عبر مذكراته المهمة «السلام الضائع فى كامب دافيد» فيقول:
«طلبت من أسامة الباز أن يتولى شرح المشروع المصرى وقد فعل ذلك بطريقة رائعة قوية ومؤثرة أوضحت معقولية ومنطقية المشروع والتزامه بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالنزاع «العربى- الإسرائيلى» من جميع جوانبه، ولم يترك ثغرة يستطيع منها الجانب الإسرائيلى النيل من الموضوع».
 
وبعد انتهاء «الباز» من طرح مشروعنا شرع «ديان» يلف ويدور، ورد عليه «أسامة» ، وانتهى على ذلك الاجتماع الأول بعد أن دام أربع ساعات ، والحق أن «أسامة الباز» سيطر تماما على هذا الاجتماع ولم يفلح الجانب الإسرائيلى مرة واحدة فى إحراجهأو تعجيزه عن الرد على أى سؤال أو استفسار ردا شافيا واضحا مفحما وكان نجم الاجتماع بلا مراء مما ملأنا بالفخر وحاز إعجاب الجانب الأمريكى وأدى إلى شعور الإسرائيليين بالإحباط».
 
وأخيرا يقول السيد «محمد إبراهيم كامل»: وأشهد أن أسامة الباز كانت له طريقته المرنة فى مساندة آرائى أمام الرئيس - السادات - ولكن كانت له حدوده ، ثم إنه كان كثيرا ما كان يتدارك بمهارة تصحيح ما يشوب آراء الرئيس عندما كان يكلفه بصياغتها.
 
ولعل من أخطر ما يقول الوزير محمد إبراهيم كامل هو قوله:
 
ولم يكن «السادات» يحيطنى علما بما يدور بينه وبين «كارتر» أو «وايزمان» - وزير الدفاع الإسرائيلى - فيما عدا ما يعتقد أنى لن أعترض عليه ، وإنما كان «أسامة الباز» يخبرنى ببعض التنازلات التى وافق عليها «السادات» والتى كان يحاول تداركها فى الصياغة ، إلى حد أنه كان يصطدم بالرئيس «كارتر» بعنف وكان الأخير يقول: ليس هذا ما وافق عليه الرئيس السادات فيرد عليه أسامة : هذه هى تعليماته لى حرفيا وأنا أنفذها.
 
وأصل إلى شهادة السفير «عبدالرؤوف الريدى» وكما رواها فى مذكراته الممتعة والمهمة «رحلة العمر : مصر وأمريكا.. معارك الحرب والسلام» وكان شاهدا ومشاركا فى مباحثات كامب دافيد وكانت غرفته مجاورة لغرفة «أسامة الباز» حيث يقول:
 
إن أسامة كان هو نجم الفريق المصرى فى هذه المحادثات ، وكان جوكر الوفد وينتمى إلى المستوى الثانى وظيفيا ، ولكنه الأقرب إلى الرئيس السادات وكان هو الذى يعد الأوراق التى يطلبها السادات وخصوصا مشروعات الاتفاق التى تقدم لكارتر ، وقد كان أداء أسامة أداءً ممتازا حسب اعتراف كل من كتبوا المذكرات عن كامب دافيد، سواء من مصريين أو إسرائيليين أو أمريكيين !!
 
كنا نشعر كوفد الخارجية طوال بقية أيام المؤتمر أننا مغيبون عن حركة المفاوضات التى تجرى ، وكان أسامة الباز وحده هو المشارك الحقيقى فى المفاوضات سواء فيما يعده من أوراق عمل يطلبها الرئيس السادات منه ، أو النقاش الذى كان يجريه معه الرئيس «كارتر» الذى عرف منذ البداية أن «أسامة» هو الذى يقوم بالدور الأكبر فى إعداد وصياغة الأوراق والمشروعات التى يتقدم بها السادات ، فكان يستدعيه من حين لآخر ويستدعى نظيره الإسرائيلى «أهارون باراك» الذى أصبح فيما بعد رئيس محكمة العدل العليا فى إسرائيل.
 
وكان أسامة بعد كل لقاء يأتى إلى الكابينة ويجلس على سريره ويكوّم نفسه على السرير ويأخذ فى كتابة ما جرى ، إلا أنه رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على مؤتمر كامب دافيد فإن «أسامة» لم ينشر مذكراته عن وقائع مؤتمر كامب دافيد ، ولو نشرها لكانت هى المرجع الأساسى من الجانب المصرى على أحداث مؤتمر الثلاثة عشر يوما الحاسمة فى تاريخ الشرق الأوسط.
 
ويكمل السفير الريدى شهادته عن «أسامة الباز» قائلا :
 
كان وفد الخارجية فى كامب دافيد كله باستثناء «أسامة» مستبعدا من هذه المفاوضات ، ومن بين ما قاله لى أسامة- آنذاك- أن الرئيس السادات أراد أن يعينه وزيرا للخارجية ولكنه وجد طريقة للاعتذار بأدب!»
 
وفى سطور بالغة الدلالة يقول السفير الريدى:
 
«لم يأخذ أسامة حقه من تكريم الدولة له ، ولكنه يحتل فى قلوب الناس خاصة الذين عرفوه عن قرب مكانة لا تعلوها مكانة أخرى».
 
∎∎
 
رحم الله المواطن المصرى الأصيل البسيط الشهم الجدع «أسامة الباز»!
تم نسخ الرابط