بقلم : رشاد كامل
كان ظنى فى غير محله، وجانبه الصواب تماما.
كنت أظن، بل أجزم، أن الملايين فى مصر والعالم العربى قد حزنت بصدق وبكت بصدق وفاة الرئيس جمال عبدالناصر يوم الاثنين 82 سبتمبر 0791.
كنت أظن ذلك، لكن الشيخ د. يوسف القرضاوى خيب ظنى وظن الملايين، وكشف عن مشاعره ومشاعر جماعة الإخوان الحقيقية عندما سمعوا خبر وفاة جمال عبدالناصر».
فى ذلك الوقت كان الشيخ القرضاوى فى قطر معارا لوزارة المعارف بعقد خاص، منذ عام 1691 وكان الشيخ خليفة بن حمد آل ثان نائب حاكم قطر وولى العهد قد استخرج له جواز سفر قطريا كاملا وقال له: تأخذ به كل حقوق القطريين!
«موت عبدالناصر» تحت هذا العنوان وفى مذكراته «ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة «دار الشروق» كتب «د. القرضاوى»: «لا شماتة فى الموت، وكلنا من هذه الكأس شاربون»، وإلى هذا المصير ذاهبون، ولكننا نحن الإخوان بشر، يحكمنا ما يحكم البشر من عواطف ومشاعر، فقد مات الرجل الذى قهرنا وأذل كبرياءنا وذقنا على يديه ألوان العذاب، الرجل الذى سجن رجالنا وسجن كل من يساعد أسرنا بعشرة قروش، حتى يموت أولادنا من الجوع وتضطر نساؤنا إلى مد اليد، أو ما هو أكثر من ذلك تحت قهر الحاجة وعضة الجوع، والجوع كافر لا يرحم!
الرجل الذى علق المشانق لدعاتنا وعلمائنا: الرجل الذى حاربنا فى أرزاقنا ومنعنا من حقنا فى وظائف الدولة ونحن أولى الناس بها بمقتضى مؤهلاتنا، وتقدمنا فى ترتيب الناجحين.
الرجل الذى سلط علينا أجهزة إعلامه مقروءة ومسموعة ومرئية، لتفترى علينا الأكاذيب لقد مات الرجل المسئول الأول عن ذلك كله، فمن حقنا أن نتنفس الصعداء وأن نستبشر بموته وأن نتوقع تغييرا من وراء ذلك يكون فى صالحنا وفى صالح دعوتنا ووطننا وأمتنا».
«هكذا كان موقفنا نحن الإخوان المسلمين، الذين أصابنا ما أصابنا فى عهد عبدالناصر، وكنا من ضحايا جبروت هذا النظام الشمولى الطاغوتى الذى قهرنا وقهر شعب مصر كله معنا.
ومع هذا رأينا كثيرا من الإخوان ترحموا على عبدالناصر برغم ما نالهم من ظلمه وأذاه، نقل ذلك عن الأستاذ فريد عبدالخالق أحد قادة الإخوان المعروفين ومن رفقاء حسن البنا، ونقل ذلك الأستاذ عمر التلمسانى، حيث أبلغه أحد الإخوة وهو فى السجن نبأ وفاة عبدالناصر وكان الأخ متهللا فرحا شماتة بموت عبدالناصر فما كان من الأستاذ عمر التلمسانى إلا أن قال له: الله يرحمه، فدهش الأخ لهذا الرد الذى لم يكن يتوقعه فقال له الأستاذ عمر: يا أخى إن عبدالناصر قد أفضى إلى ما قدم، وأمره موكول إلى الله».
ويعترف د. القرضاوى قائلا:
«كان وقع موت عبدالناصر شديدا على أهل قطر وأهل الخليج عامة، فقد كانوا بصفة عامة معجبين به محبين له، فهو الزعيم الذى أشعرهم بوجودهم أمام الاستعمار المتغطرس، وقد كانوا منسيين لا يحس بهم أحد!
وجاء التوجيه فى قطر إلى خطباء المساجد أن يصلوا صلاة الغائب على عبدالناصر وفى جامع الشيوخ الجامع الكبير وقف المصلون جميعا خلف الإمام ليصلوا ما عدا واحدا رفض القيام والمشاركة فى الصلاة هو أخونا الكريم الشيخ مصطفى جبر رحمه الله قال:
- أنا لا أصلى على ظالم وطاغية!
وكان الشيخ مصطفى موظفا فى وزارة التربية فأمر وزيرها الشيخ قاسم بن حمد آل ثان رحمه الله حين بلغه ذلك بإيقافه عن العمل، وقد توسطنا له عند الوزير الشيخ عبدالمعز عبدالستار وأنا فرفع عنه العقوبة استجابة لشفاعتنا.
ثم يحكى د. القرضاوى أن مصر لم تكن لها سفارة فى ذلك الوقت فقامت الجالية المصرية ومعهم بعض أهل قطر بعمل سرادق عزاء لعبدالناصر تتقبل فيه تعازى المعزين، وقد قاطعه الإخوان عامة إلا قليلا منهم، رأوا فيه من واجب المجاملة أن يعزوا فيه، وقال بعضهم وكان من المعتقلين الذين نالهم الأذى والبلاء ما نالهم: إنى أشفى غليلى بالعزاء فيه!
ويطرح القرضاوى سؤالاً:
هل كان عبدالناصر متدينا، ويجيب: والحق أن عبدالناصر لم يعرف بشرب الخمر، كما لم تعرف عنه علاقات نسائية محرمة، ولكنه لم يشتهر عنه إقامة الصلوات التى فرضها الله على المسلمين خمس مرات فى اليوم والليلة، لم يقل أحد ممن كتبوا عنه إنه دخل عليه فوجده يقيم الصلاة أو أنه دعا زواره يوما ليقيم معهم الصلاة أو أنه فى مجلس من المجالس التى كان يعقدها توقف مرة ليصلى وحده أو مع زملائه!
ولم يحك مؤرخ عبدالناصر الملازم له - أعنى الأستاذ هيكل - شيئا من ذلك على كثرة ما حكى من تفصيلات حياته فى الحضر والسفر والخلوة والجلوة، حتى صلاة الجمعة لم يعرف أين كان يصليها عبدالناصر ولقد حكم عبدالناصر ثمانية عشر عاما كل سنة فيها 25 جمعة فأين كان يصلى هذه الجمع؟!
وإذا كان د. القرضاوى قد اعترف فى شهادته بـ «أن نستبشر بموت عبدالناصر» فإن شهادة رجل آخر وهو د. عبدالعزيز كامل، وهو من الإخوان المسلمين وسجن فى زمن عبدالناصر، ثم أصبح وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر، يكتب غداة وفاة عبدالناصر مقاله الشهير «الإسلام عند عبدالناصر» كتب يروى قصة لقاء له مع الرئيس فيقول:
«كان اللقاء يوم 91 مارس 8691 وسألنى الرئيس عن صحتى وأسرتى الصغيرة بصوته الهادئ الدافئ، ثم بادرنى بقوله: لقد قرأت كتابك الأخير «دروس من غزوة أحد»!
وفوجئت بذلك، فصدور الكتاب كان قبل اللقاء بأيام، والمهام التى عليه ثقيلة مضنية ووقته عزيز ويتابع الرئيس قوله:
- قرأت الكتاب كله، ولكن أود أن أقول لك شيئا ليس فيه: من اليسير أن تكتب ومن العسير أن تطبق ذلك على الناس، معاناة الناس شىء غير الكتابة، وأنت عشت فى الجامعة بين زملائك وتلاميذك تحبهم ويحبونك، ولكن قضايا الجماهير تحتاج إلى صبر طويل، وتلقى فيها مشكلات لا تتوقعها من أفراد لا تنتظر منهم المشكلات، والفارق كبير بين ما يعلمه الإنسان وما يعمل به مما يعلم».
ويقول د. عبدالعزيز كامل رحمه الله: الإسلام عند جمال عبدالناصر مرتبط بالفكر الدينى كله فى جوهره وآفاقه وإلى القيم الفاضلة التى هى ميراث الأديان جميعا وإلى تطبيقات ذلك فى الحياة اليومية، كان الإسلام عنده إسعاد الناس، قاوم كل محاولات استغلال الدين أو الاستتار وراءه، وأراد الدين لنا إخاء ومحبة.
وكأن د. عبدالعزيز كامل يرد على د. القرضاوى فيقول: لقد كان - أى عبدالناصر - يعيش الإسلام فى نفسه، فى زهده وتواضعه، فى إعادة الدين إلى بساطته وإلى تطبيقه فى حياته اليومية على نفسه وعلى الناس.
كان متخففا فى طعامه، طاهرا فى شرابه وبيته وأهله محافظا على عبادته، ولقد ذكر لى - رحمه الله - أنه فى زيارة له للاتحاد السوفيتى اقترب موعد صلاة الجمعة، وكان فى مباحثات مع القادة السوفييت، والمسلمون مجتمعون فى المسجد ينتظرون قدومه، فطلب إيقاف المباحثات واستعد لصلاته وذهب ليؤدى صلاة الجمعة مع إخوانه».
وأخيرا يقول د. عبدالعزيز كامل فى مقاله «ثمانى صفحات مجلة الهلال نوفمبر 0791»: وحبب الله إليه فى العام الأخير زيارة بيوت الله، أكون جالسا فى المكتب يوم الخميس فإذا بالصديق الأستاذ سامى شرف وزير الدولة وسكرتير الرئيس للمعلومات يخبرنى بأن السيد الرئيس سيصلى الجمعة غدا فى السيدة زينب، وفى الأسبوع التالى أرى صلاة الجمعة فى نفس المسجد وزار الأزهر مرات والإمام الحسين مرات، وكان يوصى بتوسعة هذه المساجد والعناية بفرشها وتهويتها وإضاءتها ورعاية العاملين فيها».
انتهت شهادة د. عبدالعزيز كامل التى كتبها سنة 0791 ردا على شهادة د. القرضاوى التى كتبها سنة 5002 ولا تعليق.
رحم الله جمال عبدالناصر إنسانا وقائدا وزعيما.



