بقلم : رشاد كامل

لا أنا ولا أنت من فقهاء الدستور، أو فقهاء القانون!
لا أنا ولا أنت (فقهاء دستوريون) حتى نفهم دلالات كل مادة فى الدستور، ومغزى صياغة كل عبارة أو جملة هل هذه الصياغة محكمة قاطعة مانعة أم إنها فضفضاضة واسعة تسمح بالالتفاف حولها ومعها فتطبق على رقبة المواطن وتشل حرية عقله.
أنا وأنت - ما أكثر ما وقعنا ضحية هؤلاء الفقهاء فى تفسيرهم ورؤيتهم لكل مشروع دستور يعرض على الشعب - الذى يضم أنت وأنا والملايين غيرنا!!
أنا وأنت ماذا نفعل ؟! عندما تجد (فقيه دستورى) يؤكد لك ويطمئنك أنك أمام أعظم دستور عرفته مصر!!
يأتى (فقيه دستورى) آخر ليؤكد لك ويطمئنك أنك أمام أسوأ دستور عرفته مصر!!
كلاهما فقيه دستورى، وكلاهما يفهم أكثر منى ومنك، وكلاهما يصول ويجول عبر صفحات الصحف، وشاشات الفضائيات عارضا بضاعته، وشارحا آراءه فى المسألة الدستورية!
حدث هذا أمس واليوم وغدا، فليس جديداً علينا تلك المشاجرات والمشاحنات حول الدستور ومعه وضد حسب ما يقوله لك هذا الفقيه الدستورى أو ذاك!
∎∎
عاشت مصر هذه المشاجرات والخناقات والخلافات سواء مع دستور سنة 1932 ثم مع دستور سنة 1930 دستور إسماعيل صدقى باشا الذى أصدره فى 22 أكتوبر سنة 1930. الذى جعله غير قابل لأى تعديل مدى عشر سنوات. ولم تسكت مصر بكل طوائفها ورجالها ونسائها عما قام به (صدقى) باشا من اعتداء سافر وسافل على حقوق الشعب وإرادة الأمة وتوالت مظاهر المقاومة والاحتجاج : مظاهرات، خطب، مقالات، صحافة حرة تكتب ما يلبث (صدقى باشا) أن يغلقها!!
أكثر من مائة صحيفة ألغيت رخصتها، وتم تعطيل عشرات الصحف والمجلات المعارضة ومنها: روزاليوسف، البلاغ، وادى النيل، كوكب الشرق، الأهرام، الوطن، الأفكار وغيرها.
فى ذلك المناخ كتب إبراهيم عبدالقادر المازنى (الروائى والكاتب الساخر واحد من أهم وأخطر مقالاته فى جريدة (السياسة الأسبوعية) - لسان حال حزب الأحرار الدستوريين - بتاريخ 72 ديسمبر سنة 1930 كان عنوانه (الدستور ورجل الشارع) حيث كتب يقول :
(الفرق بين الحكم الدستورى وغيره فيما يحس رجل الشارع كما يقول الإنجليز - هو أن الأول - أى الحكم الدستورى يفيده الشعور بالرضا والاطمئنان على حرياته وحقوقه، والقدرة على تغيير ما لا يروقه، وقد يكون الواقع خلاف ذلك، وربما جاء الحكم الفردى أحيانا أصلح وكان أبعث على الارتياح، ولكنه - بالغا ما بلغ الصلاح - يسلب رجل الشارع هذا الشعور ويمنع نشوءه فى نفسه، ذلك أنه يقوم على إرادة الفرد من الأمة لا على إرادة الجماعة فى أى مظهر من مظاهرها، فعمل الفرد من الأمة هو أن يسمع ويطيع، من غير أن يكون له اشتراك مباشر أو غير مباشر فيما يلقى إليه من الأمر، وهو لذلك لا يستطيع أن يشعر أنه آمن على ما يتمتع به من الحريات أو يستعمل من الحقوق.
وكل ما فى يده من ذلك هو عرضة لأن يسلبه، وسبيله أن يحتمل أو أن يتوسل ويتضرع، أو أن يتمرد ويجنح إلى الانتقاد، وهو يحتمل ما يسخطه ويتصبر ويتشدد، ويشفى صبره فيشكو، حتى إذا استنفدت الحوادث خرج عن طوره وأعرض عن ذكر العواقب وثار، وهذا شر ما فى الحكم الفردى أو أى طراز من الحكم لا يتوقى هذه المغبة بأن يدع للشعب متنفسا، ويترك له سبيلا مشروعا يمضى منه إلى غايته من غير أن يشعر بوجوب اللجوء إلى العنف والثورة.
وليس كذلك النظام الدستورى فقد يتفق أن يتولاه من يسيئون استعماله فيفشون الظلم فى عهدهم، وتثقل وطأة الحكم فى ظلمهم على الناس ويشتد الكرب وتضيع المصالح وتنتهك الحريات وتغصب الحقوق، ولكن الشعب أو رجل الشارع يبقى له شعوره الذى ينقذ الموقف، وهذا الشعور هو أن فى وسعه أن يغير هذا الحال وأن ينحى عن الحكم من لا يحسنونه، وأن يأبى عليهم الثقة التى مكنتهم من ولاية الأمر، وذلك بإيثار غيرهم فى الانتخابات التالية حتى يجىء يومها، وموعده يوم الانتخاب وهو مهما بعد قريب!
∎∎
ويمضى الأستاذ (المازنى) قائلا فى نفس المقال :
(وصحيح أن رجل الشارع لا يتولى الحكم ولا يشترك فيه، وأن رأيه لا يقيد ممثليه، ولا نكران أن الأمور تجرى من غير أن يرجع إليه الذين يقطعون فيها برأى، وغير مردود أن الأمر يخرج من كفيه بعد أن يبدى رأيه يوم الانتخاب، وأنه لا يملك بعد ذلك أن يكبح المسىء أو يرد المخطئ إلى الصواب، ولكن له مع ذلك عزاء مزدوجة، هو أن حرياته وحقوقه وديعة فى يد القضاء يحميها ويرد عنها من يريدها بالسوء، ثم إن المصير على كل حال إلى رجل الشارع، والأعوام تمر والأيام تنقضى ثم يعود الأمر إليه ويحتكم المتنافسون على الحكم إلى إرادته واختياره وفى مقدوره حينذاك أن يشيح بوجهه عن الذين أساءوا السيرة وأن يؤثر عليهم غيرهم ممن يكون هو أحسن بهم ظنا).
وصحيح كذلك أن رجل الشارع ليس بالإخصائى فى الفقه الدستورى وأنه لا يستطيع أن يزن الدستور من هذه الناحية وزنا دقيقا محكما لا يغل شعيرة، ولكن غير صحيح أنه عاجز عن تكوين فكرة مجملة عن الدستور وروحه، فإنه فى وسعه - وأن أعياه أن يورد النصوص ويستشهد بالمبادئ والأحكام أن يخرج لنفسه برأى صحيح فى جملته عن روح أى دستور، وليس يخفى عليه فرق ما بين دستورين : واحد يضيق سلطة الأمة وآخر يوسعها!!
وليس عجزه عن الجدل الفقهى بمانع أن يكون ما استقر فى روعه صحيحا على العموم، ومن الجهل بالحقائق أن يتصور الإنسان أن رجل الشارع مخلوق لا يعنى إلا بطعامه وشرابه، فقد يكون بعده عن البحوث الفقهية المعقدة أعون له على صحة التفكير واستقامته، وأضمن لخلو تفكيره من الاضطراب الذى يؤدى إليه تشعب البحث وتعارض الآراء.
فكون رجل الشارع ليس إخصائيا فى الفقه الدستورى ليس معناه إنه لا يفهم ولا يدرك الاشياء على وجهها الصحيح، ومن ظن غير ذلك فقد خدع نفسه وغشها، ومن هنا هذا الامتعاض العام بالدستور الجديد وهو امتعاض تستغربه الوزارة الحاضرة (يقصد وزارة صدقى باشا) وتظنه راجعا إلى فعل خصومها، وتتوهم أن رجل الشارع إذا ترك وشأنه وبقى بمنحى عن هؤلاء الخصوم خليقة أن يرضى آخر الأمر عما يتسخط الآن من هذا الدستور.
أن الامتعاض العام راجع إلى ما استخلصه الناس من روح هذا الدستور وانتهوا إلى الاعتقاد فيه من غير أن يكون لخصوم الوزارة اثر يذكر فى إحداث هذا الشعور، والقول بغير ذلك لا يكون إلا عن جهل لروح الجماعات وقلة فهم بطبيعتها وسوء رأى فيها).
∎∎
وبصراحة وعمق يقول الأستاذ (المازنى) :
ورجل الشارع لا يجد أنه يفيد من هذا الدستور الجديد، وقد يشق عليه أن يبين علة بنص الأحكام التى اشتمل عليها الدستور، ولكن هذا لا قيمة له. لأنه يعرف وحسبه هذا وأنه لم يعد ذلك المرجع الأخير الذى كان بمقتضى الدستور الذى ألفته الوزارة، فليس فى وسعه أن يحس برضا أو يشعر باطئمنان على حرياته أو حقوقه، وإذا عدم رجل الشارع هذا الشعور فماذا يبقى له ؟! وأى فرق يكون عنده بين نظام دستورى وآخر غير دستورى؟!
ويختتم (المازنى) مقالة المهم بهذه السطور المهمة - ياحكامنا ويا نخبتنا ومعارضتنا - فيقول :
«رجل الشارع كتلة بطيئة ولكنها وطيدة وكذلك الحق، وقد يستخف بها الذين يحسبون أنهم من طراز المتفوقين ولكنهم لا يستطيعون أن يتقدموا خطوة من غير هذه الكتلة، وليس المهم - آخر الأمر - ما يفعله أو يفكر فيه المتفوقون بل ما تتقبله وترضى عنه وتأخذ به هذه الكتلة».
∎∎



