الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

لم تكن «صداقة» ومعرفة الكاتب الكبير «إحسان عبدالقدوس» بالرئيس أنور السادات سرا خافيا على أحد!» وما أكثر المرات التي تحدث فيها السادات.. عن علاقته وصداقته بإحسان سواء قبل الثورة أو بعدها، بل كان إحسان هو صاحب الفضل فى التحاق «السادات» للعمل فى روزاليوسف  ثم دار الهلال وكان ذلك قبل قيام ثورة يوليو 1952.

 

 

وإذا كان بعض الصحفيين يحلم بترك منصب  الصحفى والكاتب ويحلم بمنصب الوزير، فقد رفض إحسان عبدالقدوس تولى الوزارة سواء  فى زمن عبد الناصر أو زمن السادات!!

 

ورفض «إحسان» تحقيق رغبة السادات فى أن يكتب مذكراته «البحث عن الذات» وحسب شهادة إحسان نفسه:«كان السادات يحكى مذكراته فى البداية على شرائط  تسجيل ثم نقلوا له هذه الشرائط فى عشرة دوسيهات كبيرة ثم طلب منه - أى السادات - أن يكتب له «البحث عن الذات» لكن إحسان رفض، بل كان يعتذر أيضا عن كتابة خطب السادات باستثناء مرة واحدة فقط، فقد اتصل السادات به قائلا : أنا حاأقول كلمة عن الفن، متعرفش تكتب كلمة عن الفن، ده أنت فنان وأبوك فنان!

 

 وكتب «إحسان» ذلك الخطاب الذى ألقاه السادات فى أحد احتفالات أعياد الفن.

 

باختصار شديد يعترف إحسان عبدالقدوس:  «أنور السادات كان صديقا شخصيا ولمدة طويلة جدا، واستمرت العلاقة أيضا بعد الثورة دون أن يكون هناك أى نوع من الافتعال، وكانت المعاملة طيبة للغاية والصداقة أيضا لفترة غير قصيرة حتى حدث التباعد بينى وبينه بعدما بدأنا نختلف فى الآراء، فبدأ يبعدنى عنه، وبدأت أختلف معه!  ولعله ذروة خلاف الكاتب مع السلطان أو بين إحسان والسادات كانت بسبب مقال لا ينسى لإحسان عبدالقدوس كتبه عندما كان رئيسا لمجلس إدارة الأهرام!

 

 كانت مناسبة المقال عندما تحدث الرئيس السادات فى إحدى خطبه قائلا: إنه سيطلب من الجيش أن يتولى حماية الدستور!

 

وكان السادات معتادا عقب كل خطاب أو خطبة له يتصل بإحسان تليفونيا ويسأله : إيه رأيك يا إحسان فى الكلمة دى!! ولم يكن إحسان يجامل أو ينافق الرئيس السادات ويبدى رأيه بكل صراحة!

 

لكن «إحسان عبدالقدوس» هو الذى بادر هذه المرة بالرئيس السادات - حسب روايته للكاتب الصحفى الراحل «محمود فوزى - وقال له بصراحة :

 

كان لازمتها إيه إنك تقول فى الخطبة أن الجيش هو الذى يحمى الدستور حتى لو كان هذا واقعا، المفروض أن تقول أن الشعب هو الذى يحمى الدستور!

 

ونص إحسان يقول : على العموم  أنا بقول لك لأنك بتحب تسمع رأيى لكن طبعا هذا الكلام لن أكتبه!!

 

 فرد السادات : لا يا إحسان! اكتب هذا الكلام!


 قفلت له : اكتبه إزاى ؟

 

فقال السادات : اكتبه حتى يظهر للشعب أنك تستطيع أن تكتب ما تريد أن تقوله بصراحة!

 

 

 وصباح يوم 19 مارس 1976 ظهرت صحيفة الأهرام وبها مقال الأستاذ «إحسان عبدالقدوس» رئيس مجلس إدارة الأهرام وكان عنوانه «تساؤلات حول خطاب الرئيس السادات»، حيث كتب يقول :

 

«عندما تحدث الرئيس عن القوات المسلحة قال إنها «أحد عناصر تحالف قوى الشعب  ولكنه لاشك أن لها وضعها الخاص» وفى حدود هذا الوضع الخاص «يقتصر دور القوات المسلحة على أمر واحد بالغ القيمة والأهمية وهو حماية الدستور والشرعية الدستورية»

 

ولأن الرئيس وضع لهذا التحديد تفسيرا سريعا لم يتجاوز ثلاث دقائق فقد انطلقت من حوله التساؤلات :


كيف تقوم القوات المسلحة بحماية الدستور؟!

 

'∎ هل معنى أن تتدخل القوات  المسلحة سياسيا فى تصرفات السلطة التنفيذية حتى تطمئن دائما إلى أنها تصرفات  دستورية ؟

 

∎  هل لو أقدمت الحكومة على تصرف مخالف  للدستور يكون من حق القوات المسلحة التدخل لعزل الحكومة أو وقف هذا التصرف ؟

 

 وما هى حدود حماية الدستور ؟

 

وما الذى يأمر أو يطلب من القوات المسلحة  التدخل لحماية الدستور ؟

 

∎ وهل معنى ذلك أن القوات المسلحة هى التى تحكم ؟!و..

 

وعشرات التساؤلات لا تعبر  كلها عن اتجاه واحد من الفكر السياسى، بل تختلف مع اختلاف الاتجاهات والمذاهب والنيات السياسية، ويقابلها اتجاه آخر ليس فى حاجة  إلى تساؤل لأنه أكثر تفهما للمبادئ الأساسية التى يؤمن بها الرئيس السادات ويحاول أن يقيم عليها الكيان السياسى كله».

 

والتساؤلات الحائرة التى تعبر عن الشك فى صورة مستقبل العمل السياسى هى تساؤلات لا تزال تعيش المرحلة الأولى من الثورة عندما تحملت القوات المسلحة المسئولية السياسية الكاملة أو على الأصح عندما  كان الحاكم يعتمد اعتمادا رئيسيا على القوات المسلحة للاستمرار فى الحكم وهو ما انتهى إلى ضعف القيادات العسكرية بمسئوليتها الأساسية كقوة عسكرية وتغلب عليها الإحساس بالحياة المدنية وهو ما انتهى إلى ما انتهى إليه من نكبات سياسية وهزائم عسكرية.


ويمضى «إحسان عبدالقدوس» فى مقاله الخطير فيقول :

 «وقد انتهى هذا الوضع للقوات المسلحة بانتهاء المرحلة الأولى للثورة وبدأت المرحلة الثانية فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى بالاعتماد على قيادات وقوات متفرغة لاحتراف الفن العسكرى، وقد تطلب ذلك كثيرا من الإجراءات، وكثيراً من تغيير فى القيادات إلى أن أصبحت القوات المسلحة  تضم فعلا قادة وضباطا وجنودا محترفين واستطاعوا كمحترفين عسكريين أن يحققوا انتصار 6 أكتوبر.

 

هذا الوضع للقوات المسلحة هو الوضع الباقى والدائم  الذى لا يمكن تعريضه لأى مسئولية تخرج بالقوات المسلحة عن تفرغها لاحتراف الفن والعلم العسكرى. ومن ناحية أخرى كانت المرحلة الثانية من الثورة والتى بدأت بتحمل «أنور السادات» للمسئولية فى حاجة إلى تنظيم أساسى شعبى يضمن لها الاستمرار والاستقرار، استمرار واستقرار النظام والدولة، وكان هذا التنظيم يقوم على فرض «قوة الدستور».

 

 وبدأت المرحلة الثانية من الثورة وهى غير مكتفية بالاعتماد على شخصية القائد واعتبرت أنها أى ثورة -  قد بلغت سن الرشد بحيث تستطيع أن تستمر كنظام قائم مستقر يعتمد على دستور لا على مجرد شخصية الحاكم وأعلن «أنور السادات» أن الشرعية الثورية قد انتهت وانتقلت مصر إلى الشرعية الدستورية، وأعلن إيمانه  وتمسكه بالنظام الدستورى إلى حد أن اعتبر كل ما سبقه من محاولات تنظيمية كالميثاق وبيان 30 مارس وورقة أكتوبر أيضا مجرد مراجع تاريخية، والدستور لا يمكن أن يقدم اعتمادا على حماية أو فرض إرادة القوات المسلحة.

 

ولكن الحرص والتصميم على سيادة الدستور وعلى ممارسة الحياة الدستورية الكاملة يعتبر بالنسبة للمرحلة الأولى من الثورة! إنه ثورة على الثورة أو كأنه ثورة من داخل الثورة، وهذه الثورة الجديدة فى حاجة إلى ضمان الاستمرار والاستقرار، وقد كان أقوى ما تميزت به ثورة 32 يوليو هو قدرتها على الاستمرار، وكل الأخطاء والانحرافات التى تعرضت لها كانت تبرر بالحرص على الاستمرار.


 وفى نهاية المقال يتساءل «إحسان» قائلا :

 

فكيف نضمن استمرار المرحلة الجديدة من الثورة القائمة على الشرعية الدستورية حتى تتأكد شخصية الدولة كدولة مستقرة تمتد إلى الأجيال القادمة كأى دولة استطاعت  أن تستمر حتى اليوم خلال عشرات الأجيال ؟ وممن نخاف على الشرعية الدستورية ؟!

 

إن الخوف على الدستور ينحصر فى الانقلابات العسكرية بل إن الخوف على الدستور بالذات ينطلق أقوى بأقوى من تعارض القوى والاتجاهات الشعبية وقد سبق فى التاريخ المصرى أن ألغى «صدقى باشا» الدستور كله دون أن يحتاج إلى انقلاب عسكرى، ورغم ذلك فإن أى إلغاء للدستور يعتبر انقلاباً سواء كان انقلابا عسكريا أو انقلابا مدنيا. أى أن أى إلغاء للدستور - لو حدث - يعتبر قضاء على الشرعية الدستورية، وبالتالى قضاء على الدولة وعلى النظام القائم، - أى القضاء على -الاستمرار والاستقرار لأن الدستور نفسه يفسح المجال لأى تطور، حتى لو تطلب هذا التطور تعديل نصوص الدستور أكثر من مرة وكل دساتير العالم تعرضت للتعديل والدستور الأمريكى عدل أكثر من مائتى مرة»!

 

وهذا هو التفسير الصحيح لما جاء فى خطاب الرئيس «السادات» أو هو ما فهمته واقتنعت به فقد كنت أنا  أيضا أحد المتسائلين».

 

انتهى المقال المهم والخطير. ولكن المفاجأة حسب كلام الأستاذ «إحسان» وأول ما ظهر المقا ل، راح السادات شايلنى من الأهرام!

 

وتبقى الحرية بكل أشكالها أغلى وأنبل ما فى الحياة والصحافة أيضا!

 

تم نسخ الرابط