الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل
 
 
 
«إن البلاد مستعدة لأن تسحق كل رأس يخون الدستور، هكذا نقول اليوم، وهكذا نقول غدا، وهكذا يقول القانون والدستور، فإن مصر دولة ملكية دستورية، تعد خيانة الدستور فيها جريمة لا تغتفر، وتعد حماية الدستور فيها فريضة لا تنسى، وواجبا أقسم الجميع عليه يمين الطاعة والولاء».. هكذا كتب الكبير العملاق الكاتب الجبار كما كان يطلق عليه «سعد زغلول» زعيم الأمة وهو الأستاذ عباس محمود العقاد فى صحيفة «كوكب الشرق» الوفدية بتاريخ 19 يونيو سنة 1930.
 
 وقبل 48 ساعة بالضبط وفى مجلس النواب الذى كان «العقاد» عضوا به كان له موقف أكثر ثورية عندما وقف مصطفى النحاس باشا يعلن تقديم استقالة الحكومة للملك فؤاد، لأنه لم يستطع أن يحقق أهداف الوزارة فى صيانة أحكام الدستور، وإحاطته بسياج من التشريع يكفل له حياة متصلة ونموا مطردا».
 
وغادر «النحاس» باشا مجلس النواب الذي أعلن رئيسه الدكتور أحمد ماهر باشا ثقة المجلس بالوزارة وسط تصفيق النواب.
 
وهنا وقف عباس محمود العقاد وقال بصوته الجهورى:
«ألا فليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس فى البلاد، فى سبيل صيانة الدستور وحمايته»!
 
وتكهرب مجلس النواب، وسرى الحماس بين النواب وأحس رئيس المجلس بخطورة ما قيل فصاح قائلا:
 
ما هذا يا أستاذ «عباس» أنا لا أسمح بمثل هذا الكلام!
وطلب أحمد ماهر باشا حذف هذه الكلمات من مضبطة الجلسة، كما لم تنشرها الصحف الوفدية فى اليوم التالى، لكن صحيفة «السياسة» - لسان حال حزب الأحرار الدستوريين - أعادت نشر هذه الكلمات النارية للعقاد! وكأنما أرادت الصحيفة التحريض على العقاد وحزب الوفد فقد كتبت تعلق: سترى الأمة غدا أن هذه العبارة تعبر بالفعل عن نفسية الوفد ونوابه، ولولا هذا ما صفق النواب!
 
 
واستشاط القصر غضبا من كلمات العقاد، وحذر الكثيرون العقاد من انتقام الملك فؤاد للعقاد، ومن هنا كتب العقاد مقاله وعنوانه «إن البلاد مستعدة لأن تسحق كل رأس يخون الدستور» فى 19 يونيو.
 
وفى اليوم التالى لنشر مقال العقاد كان الملك يكلف إسماعيل صدقى باشا بتأليف الوزارة، وكان أول ما فعله هو تأجيل البرلمان لمدة شهر وأغلق أبواب البرلمان بسلاسل من حديد.
 
ويكتب العقاد فى صحيفة «كوكب الشرق» يوم 25 يونيو قائلا: «فحماية الدستور ضمان لا يكرهه فى الحقيقة إلا الخوارج من أعداء الحياة النيابية وأعداء العرش والنظام».
 
وأغلق صدقى باشا عشرات الصحف والمجلات الوفدية والمعارضة ومنها «روزاليوسف» و«كوكب الشرق» و«البلاغ» وصدى الشرق».. وغيرها.
 
واتجه قلم العقاد إلى صحيفة «المؤيد الجديد» التى كانت قد عادت للظهور فى مايو سنة 1930، وفى مقال عنوانه «الصحافة والدستور» بتاريخ 24 أغسطس 1930 يقول العقاد:
 
«يظهر المؤيد الجديد وللأمة دستور وصحافة، فأما الدستور فأين هو؟ وأين معالمه وآثاره؟ وأين حدوده وحرياته؟ كل ما بقى منه أن تغلق الصحف باسمه، وأن نسمع الحين بعد الحين أن هناك مادة فى الدستور اسمها المادة الخامسة عشرة، وصناعتها أن تعرض الصحافة للإغلاق والتعطيل، وقديما كانت هذه المادة هى الحائل بين الوزارات وإغلاق الصحف بالأوامر الإدارية.
 
 ثم يتساءل العقاد فى نفس المقال: فماذا استفادت الوزارة من تعطيل الصحافة؟ وماذا تدارى؟ وماذا تفيدها المداراة؟ أفتخشى الوزارة مما نكتب؟ إذن لتعلم أننا نسمع بآذاننا فى حق الوزارة أضعاف ما نكتبه فى أشد حملات الطعن والانتقاد، ولتعلم أن ما نقوله نحن للناس هين جدا، بل هو أهون شىء إلى جانب ما نسمعه من الناس كلما أصغينا السماع».
 
ويا ما أحلاكم وأملحكم يا معشر هؤلاء الوزراء! أفكنتم تحسبون أن الناس كانوا يظنونكم حماة الدستور لو لم نكتب لهم نحن إنكم معطلو الدستور؟! أفكنتم تتخيلون أن الناس يشهدون لكم بالقومية الخالصة لو لم نقل لهم إنكم حزبيون أشد من جميع الحزبيين! أفكنتم تتوهمون أن كلامكم جائز فى العقول لولا أننا نزيفه ونظهر ما فيه من النقائص والأعاجيب؟! أفكنتم تترقبون أن يشغف الناس بكم حبا ويتهالكون عليكم ثقة لولا أننا نقول إنكم لا تحبون وإنكم بالثقة غير جديرين».
 
ويمضى العقاد متحديا حكومة صدقى باشا قائلا:
عطلوا الصحف أو لا تعطلوها، إن الحق ظاهر، وإننا لن نكتب إلا لنقول الحق ساطعا قويا، لا تلعثم فيه، ولا مواربة، وإنكم لمعروفون فى هذه الأمة فما بها من حاجة إلينا لنزيدها بكم تعريفا على تعريف».
 
 
ويواصل العقاد دفاعه المجيد عن الدستور فيكتب مقالا عنوانه: «مسألة الدستور مسألة كل إنسان فى مصر» بتاريخ 25 أغسطس 1930 بالمؤيد الجديد فيقول:
 
«ويل لمن يجهلون أن مسألة الدستور هى مسألة كل مصرى: مسألة القاضى والتاجر والزارع والمقرب وغير المقرب، لا مسألة النائب والوزير والمشتغل بالسياسة دون سواه.
 
لقد كان لكل أزمة درسها البليغ، ودرس هذه الأمة البليغ أن يعلم الناس كيف يكون المصير إذا بطل فى مصر حكم الدستور، وويل لمن يجهل أن مسألة الدستور هى مسألة الحرية والحياة.
 
إن الاستبداد لا يقف عند حد، ولا يعرف القيود والحريات، فإذا طمع اليوم فى شىء، فسيطمع غدا فيما هو أكثر منه، وإذا قلت اليوم إنك ترضيه بالطاعة فى هذا وذاك من الأمور، فلن تنقضى عليك أيام حتى تعلم أن الطاعة فى هذا وذاك من الأمور التى لا ترضيه ولا تكفيه وإنه ينتظر منك المزيد بعد المزيد، حتى لا تعلم الفارق بين الرضا والغضب!
 
ماذا يحميك من المستبد إذا لم يحمك الدستور؟! أيحميك القانون؟! أيحميك القضاء؟ إن إرادة المستبدين هى القانون، وأن وظيفة القضاء فى رأيهم هى تنفيذ ما يريدون، لقد رأينا كيف يعزل القاضى لأنه حكم بغير ما يرضاه الوزير! رأينا كيف ينصون فى أمر العزل على هذا السبب، ولا يكلفون أنفسهم أن يلطفوه أو يسكتوا عنه ويتركوا للناس أن يفهموا منه ما يشاءون».
 
ويعلق «العقاد» على موضوع عزل القضاة فيقول:
 
«إنه لأكبر من حل البرلمان والمساس بالحياة النيابية لأن الأمة قد تعيش زمنا بغير برلمان، لكنها لن تعيش زمنا بغير استقلال القضاء لأنه ضربة هادمة فى أساس كل حرية وكل ضمان».
 
وتستمر مقالات العقاد النارية على صفحات «المؤيد  الجديد» فيهاجم الرجعية والرجعيين ويذهب إلى القول بأن مصيبة الرجعية على هذا البلد أكبر من مصيبة الاحتلال، ولولا كراهة الدستور القديمة فى نفوس هؤلاء الرجعيين لما حدثت فى مصر تلك الأحداث التى نعانى من جرائرها إلى اليوم».
 
ثم يهاجم رأس هذه الرجعية صدقى باشا نفسه ويكتب عنه مقالا ناريا بعنوان «فارغ بحمد الله» بتاريخ 17 سبتمبر يقول فيه:
 
«كانت الوزارة قدرا ساقه الله إلى صاحب الكفاءات ليظهره على حقيقته فارغا، لا نصيب له مما يدعيه، أو هو كما يقول الجاحظ يدعى من كل شىء بقدر جهله، فقد كان صاحب الدولة يدعى الذكاء فظهر للناس أن مبلغ ما عنده من الذكاء هو سياسة «نيميها» التى عرف بها الحكام الأتراك فى عهد الظلمات: اضرب، اسجن، اقتل، امنع، اقفل!
 
ثم لا شىء بعد ذلك من دلائل الذكاء والعلم والاقتدار.
 
وتكلم صاحب الكفاءات ليقول ما يقوله الأذكياء فإذا هو لا يخرج من ورطة حتى يقع فى ورطة، ولا ينتهى من سخافة إلا ليبتدئ فى سخافة ومن أراد أن يعرف الخيبة التى خابها صاحب الكفاءات فى أحاديثه الكثيرة فليجمعها كلها وليسأل نفسه: أى كلمة يعز منها على أجهل الجهلاء أن يقولها»؟
 
ولم يطل انتظار الرجعية طويلا، وضاق الطغاة بكتابات عباس محمود العقاد، وكانت الحكومة قد أصدرت مرسوما بفض الدورة البرلمانية يوم 31 يوليو 1930، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد للنائب البرلمانى «العقاد» الحصانة البرلمانية التى تمنع محاكمته!
 
 
وهكذا فى يوم 12 أكتوبر قدمت النيابة «العقاد» للتحقيق ودخل السجن حتى بدأت محاكمته بعد ذلك!
 
وللحكاية بقية!
 
تم نسخ الرابط