الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 والكتابة المخلصة، عميقة الإخلاص لا عمر لها، يموت كاتبها ويرحل عن الدنيا •وتبقى شهادته الصادقة !
 ومنذ أربعين عاما رحل عن عالمنا عميد الأدب العربى د. طه حسين لكن تبقى كتاباته ومؤلفاته شهادة صدق وإخلاص، وسيبقى كتابه (الأيام) أحد أهم كتب السيرة الذاتية التى صدرت فى القرن الماضى.
(طه حسين) فاقد البصر والذى أبصرنا ببصيرته الفذة أتذكر له الآن مقالا بديعا صادقا عمره 56 عاما كتبه فى مجلة المصور (عدد 9 يناير 8491) وعنوانه (الثوب الضيق) يتحدث فيه عن مصر وأحوالها وكأنه يتحدث عن مصر هذه الأيام، مصر سنة 3102.
يقول د.(طه حسين) إن مصر تبدى المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء وتثير الإعجاب والإشفاق معا)، ويمضى قائلا بعد ذلك :
 (ما أكثر ما يخيل إلى فى هذه الأيام أن الحياة المصرية الحديثة أشبه بالثوب الضيق البالى الذى لا يستر جسم صاحبه كله، والذى لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدا، ولا يمد ذراعا، ولا يأتى حركة ما إلا تمزق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك !!
 هذه هى الحياة المصرية الضيقة جدا، مهلهلة جدا، وقد فرضت على بلد عظيم كبير، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح!
ومصر بلد لم يخلق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النظم السياسية وعاش فى ظل هذه النظم قرونا وقرونا وقرونا وتعلمت منه الشعوب فى العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من اقل بلاد الأرض ميلا إلى العنف والاضطراب الذى يفسد النظام، وهو الآن يحيا حياة اقل ما توصف به أنها بعيدة كل البعد عن الاستقرار، أهله جميعا ساخطون قلقون، بعضهم يظهر الشكوى وأكثرهم يسرها ويخفيها!!ومصر بلد لم يخلق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين : مرة أيام البطالمة فى العصر القديم، ومرة أيام المماليك فى القرون الوسطى، فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلفة من الصبية والشباب الذين يردون عن المدارس ومعاهد العلم، لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى !!
 والتمس ما شئت من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدا عظيما كريما له ماض مجيد، وقد ملئت نفوس أهله بالآمال العراض التى تلائم هذا الماضى المجيد وليس منهم إلا من يتصور المستقبل المصرى على أنه يجب أن يكون مجيدا كالماضى المصرى، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.
 فكيف تفسر هذا كله أولا وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيا !! أما تفسيره فيسير وهو أن مصر أكبر من أهلها وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدر حقها وأملها وتاريخها ويلائم بين هذا كله وبين سيرته. .مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالى الذى فرض عليها والذى لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره ! ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى !
 وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله وردها إلى ما لا يلائمها من الحياة التى تسعها فيسير أيضا. وأى شىء أيسر من أن تنزع ثوبا باليا ضيقا لتلبس مكانه ثوبا جديدا فضفاضا جديدا. . شىء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج إلا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد، فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل).
 انتهى ما كتبه د. طه حسين عميد الأدب العربى قبل 56 سنة بالتمام والكمال، وهو مقال يثير الشجون فى قلب وعقل كل وطنى ووطنية، وعندما تتأمل الآن ما يفعله البعض بمصر بقصد أو بغير قصد - وخاصة أعضاء تلك الجماعة الجاهلة والجاحدة، أقول معه: معك حق يا سيادة العميد يا صاحب البصيرة: إن مصر أكبر من أهلها. 
تم نسخ الرابط