بقلم : رشاد كامل
عبقرية شعب مصر الحقيقية أنه لم يعد يهتم أو يأخذ بكلام تلك النخبة البائسة فى فكرها، واليائسة من نفسها سواء عبر صفحات الصحف والمجلات أو شاشات الفضائيات!
هذه النخبة التى لا تجد من يصدقها، ولا تزال غارقة فى أوهامها حول «الثورة» و«الانقلاب» والبحث عن توصيف الدور العظيم والمجيد الذى قام به جيشنا العظيم فى الثلاثين من يونيو 2013 الذى هو يوم «ثورة» بكل المعايير!
وهو نفس الجدل التافه الذى جرى بعد قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952، وهل كانت ثورة أم انقلابا؟!
سؤال النخبة البائسة زمن ثورة 23 يوليو 1952 أو زمن ثورة 30 يونيو 2013 حسمه وأجاب عنه عميد الأدب العربى د. طه حسين، بقوله: «إن ما تم فى يوليو 1952 كان ثورة ولم يكن انقلابا ولا حركة مباركة أو غير ذلك، إن الجيش قد استجاب للمطالب الحقيقية للشعب فى الخلاص من حكم الفرد وفى العمل لإنهاء الاحتلال».
فىذلك الوقت كان د. طه حسين موجودا فى إيطاليا لحضور مؤتمر اليونسكو، ومن هناك أرسل بمقاله إلى صحيفة الأهرام التى نشرته فى صباح الثانى من أغسطس 1952، وكان مما جاء فى مقاله قوله:
«فى ذلك العهد لم يكن الجيش فى حاجة إلى أن يتدخل فى أمر من الأمور فظل مكانا مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شىء، أما فى هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة فى منفعة أو رهبة من مضرة، وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بد من أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
والله عز وجل يقول: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».
فقد كان الجيش هذه الأمة التى دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت فى الخير وأيدت هذا كله بالقوة التى خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه».
ويمضى د. طه حسين فى مقاله شارحا وموضحا ما عانته مصر فى سنواتها الأخيرة حتى قيام الثورة ويصور إحساسه فى ذلك الوقت بقوله:
«وإذ أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها، وأنها قد أخذت تستأنف طريقها فى ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون، لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية، ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجى فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلى، ذلك أن فساد الأمر فى داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أى خطر، وقد ذاق مرارة هذا فثابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل.
هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء من خارج الحدود أو من داخلها».
هكذا يحدد د. طه حسين ببصيرة المفكر الوطنى طبيعة العلاقة وحدود الدور بين الجيش والشعب وهو «حماية الوطن من العدو الخارجى وأيضا العدو الداخلى»، ويختتم مقاله بهذه الكلمات الصادقة:
«بارك الله للجيش فيما فعل، وبارك الله للجيش فيما يفعل، وبارك لمصر فى الجيش، ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين، ووقاها مشيرى السوء الذين يفكرون فى أنفسهم قبل أن يفكروا فى الوطن، والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما فى نفوسهم من غل وجشع وحقد».
هكذا كان تقدير د. طه حسين لجيش وطنه وهو تقدير الملايين من شعب مصر لقواته المسلحة النبيلة والباسلة، لكن ماذا تقول عن قلة من السفهاء والحمقى تكره نفسها ووطنها وليس جيشها فقط، وربما هذا ما دعا د. طه حسين إلى الكتابة قائلا:
«ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها، وما تقول فى «أسود» تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا»!
رحم الله طه حسين الذي رثاه شاعرنا الكبير نزار قبانى قائلا:
ارم نظارتيك ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميان!
عد إلينا فإن ما يكتب اليوم
صغير الرؤى صغير المعانى
إن أقسى الأشياء للنفس ظلما
قلم فى يد الجبان الجبان



