الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل
لا يمكن الكتابة عن «طه حسين» قاهر الظلام واليأس والإحباط بغير الكتابة عن تلك السيدة الرائعة «سوزان» والتى رافقته حبيبة وزوجة طوال 56 سنة منذ تزوجا فى 9 أغسطس سنة 1917 وحتى رحيله يوم 28 أكتوبر 1973 منذ أربعين سنة!
 
لقد كتب العميد عن «سوزان» فى نهاية الجزء الثانى من رائعته الخالدة «الأيام» يصفها بأنها «الملك» الذى بدله من البؤس نعيما ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفوا.
 
وإذا كانت «سوزان الفرنسية» المولد والمسيحية الديانة هى حب وعشق العميد الأول والأخير، فقد كان «طه حسين» ذلك الشاب الصعيدى الضرير المصرى المسلم الديانة هو حب وعشق «سوزان» الأول والأخير لقد أحبت فيه كل شىء، ووهبته محبة خالصة «56 سنة» من عمرها عاشتها بجواره: حبيبة وزوجة وأما وجدة!!
 
ولعل من يقرأ مذكرات سوزان طه حسين التى صدرت بعد وفاة طه حسين بعامين بعنوان «معك» يدرك صدق هذا الحب!
 
تقول سوزان فى مذكراتها الرائعة: أول مرة التقينا فيها كانت فى 12 مايو 1915 فى مونبلييه «ومنذ زواجنا كنا نحتفظ لهذا اليوم بوضع خاص» لم يكن ثمة شىء فى ذلك اليوم ينبئنى بأن مصيرى كان يتقرر، ولم يكن بوسع أمى التى كانت بصحبتى أن تتصور أمرا مماثلا، وكنت على شىء من الحيرة، إذ لم يسبق لى فى حياتى أن كلمت «أعمى»!!
 
لقد عدت إليه أزوره بين الحين والحين فى غرفته التى كانت غرفة طالب جامعى، كنا نتحدث وأقرأ له بعض الفصول من كتاب فرنسى، ولعل القدر كان قد أصدر قراره بالفعل، فقد كان هناك أعمى آخر هو الأستاذ الإيطالى الذى كان يدرسه اللغة اللاتينية، قد أدرك ذلك وقال له:
 
سيدى هذه الفتاة ستكون زوجتك!!
 
كان ذلك زمن الحرب العالمية الأولى وعاد طه حسين إلى مصر ثم يحصل على إذن بالعودة إلى باريس لاستئناف دراسته، وتتذكر «سوزان» قائلة:
 
كنا أمى وأختى وأنا قد أقمنا فى باريس وكنا نلتقى، وكان ثمة غرفة شاغرة فى بيتنا، وكان - طه - يبدو مهملا ضائعا برغم حضور أخ له لم يكن للأسف معينا، بحيث إن أمى اقترحت عليه المجىء للسكن عندنا، وقبل ولكن بعد كثير من التردد لأنه - وهو الذى لا يوقفه شىء عند اتخاذه القرارات المهمة - كان شديد الخجل فى حياته اليومية!! لم يقبل إطلاقا أن يتناول وجباته معنا، كان ثمة قارئة تأتيه بانتظام، وكانت هناك سيدة أكبر فى العمر تصحبه إلى «السوربون»!!
 
لكنى شيئا فشيئا أخذت أتدخل فى ذلك وأصحبه أنا الأخرى إلى الجامعة من وقت لآخر حتى بت أصحبه غالبا، وكنت أقرأ له عندما يكون وحيدا، كنا نتحدث بكثرة، وكان يحقق تقدما عظيما فى اللغة الفرنسية!!
 
وذات يوم يقول لى: اغفرى لى، لابد من أن أقول ذلك فأنا أحبك!!
 
وصرخت وقد أذهلتنى المفاجأة بفظاظة: ولكنى لا أحبك!! «كنت أعنى الحب بين الرجل والمرأة ولا شك» فقال بحزن: آه إننى أعرف ذلك جيدا وأعرف جيدا أنه مستحيل!!
 
ويمضى الزمن ثم يأتى يوم آخر أقول فيه لأهلى إننى أريد الزواج من هذا الشاب!! وكان ما كنت أنتظره من رد الفعل: كيف؟! من أحبنى؟! وأعمى؟! وفوق ذلك كله مسلم؟! لا شك أنك جننت تماما!!
 
وتعترف «سوزان» قائلة: ربما كان الأمر جنونا، لكنى كنت قد اخترت حياة رائعة، كان هناك هذا الشىء الرائع: الفخر واليقين من أنه ليس ثمة ما يدعو للخجل.
 
وكان لابد من النضال بالطبع بسبب ذلك القرار، وجاءنى أكبر عون من عم لى كنت أكن له إعجابا عظيما، وكان هذا العم قسا، فقد حضر ليتعرف «بطه» وتنزه معه وحيدا فى حقول البيرينة لمدة ساعتين ثم قال لى عند العودة:بوسعك أن تنفذى ما عزمت عليه، لا تخافى بصحبة هذا الرجل يستطيع المرء أن يحلق بالحوار ما استطاع ذلك سبيلا، إنه سيتجاوزك باستمرار!!
 
وكان لابد من موافقة الجامعة على زواج طه حسين، وهو ما تم بالفعل، كان لابد من إعلام أهله فى الصعيد وأخيرا أعلنا الخطوبة التى دامت عامين!
 
وحصل طه حسين «على شهادة الليسانس وفى ذلك اليوم كما يقول «قرر الخطيبان أن يتما زواجهما وأيضا الإعداد لرسالة الدكتوراة عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وتمضى «سوزان» قائلة:
 
تزوجنا يوم 9 أغسطس 1917 ببساطة مطلقة، إلا أن الجميع أصروا على أن ألبس ثوب الزفاف الأبيض وأن نركب العربة المقفلة.. وفى يناير 1918 انتهت الرسالة، كما أعلنت ابنتى عن قدومها.
 
وفى أكتوبر 1919 تصل الأسرة إلى مصر بالباخرة وتقول «سوزان»:
 
لقد غدت مصر بالنسبة لى ولأكثر من سبب وطنا ثانيا، أحبها كما أحب طه، ولست أحتمل أن يراد بها شرا أو أن يتجاهلها العالم.
 
عثر أصدقاء لنا على شقة فى شارع السكاكينى، ثم انتقلنا إلى شارع الحواياتى بالقرب من قصر النيل!! وانصرف طه منذ عودته إلى مهنته كأستاذ بحماس وسرعان ما بعث فى التعليم روحا جديدة.
 
وتعرفت على حموى وقد استقبلانى بحرارة وبعد تبادل التحيات التقليدية مع الزائرين المجاملين والفضوليين قال عمى لابنه: «سأخرج مع زوجتك فلا تنشغل بنا».
 
تناول ذراعى وقمنا معا بجولة فى البلدة، لن يبدو أمرا خارقا لشباب اليوم أن يتنزه شيخ وقور معمم مع امرأة شابة سافرة أجنبية ومسيحية تعتمر القبعة، لكنه كان كذلك فى تلك الحقبة، ولم أنس هذه اللفتة على الإطلاق:
 
عندما يتحدثون عن التعصب الإسلامى لا أملك نفسى عن الابتسام أو الغضب، هذا الرجل الذى كان ذا مهنة بسيطة ولا شك، لكنها تتيح للأسرة حياة كريمة، والذى كان يحب القراءة والحوار مع الوجهاء ولم أدهش للاحترام الذى كان يلقاه فى القرية!!
 
أما حماتى فقد انصرفت بكليتها لتأمين راحتى وراحة طفلتى الصغيرة، كانت الحوالة المالية التى أرسلها والد طه هى التى سمحت لنا بشراء عربة للطفلة.
 
كان «طه» يحدثنى» عن أبويه بحنان، وقد عرفت أن أمه تكسر أربعين بيضة لصنع عجة البيض العائلية وأن أهله فى العيد الكبير عيد الأضحى كانوا يشترون عجلا وخروفا، الخروف للبيت والعجل لتوزيعه على الفقراء.
 
وتكمل «سوزان» هل كان بوسعى أن أتخيل أن حماتى وهى المسلمة المتدينة يمكن أن تسأل طه عن أى نوع من النبيذ يجب شراؤها من أجلى؟
 
لقد أجبت بأننى لا أشرب الخمر على الإطلاق! ولقد كنت فى منتهى التأثر من هذا الاهتمام الذى أحطت به.
 
ولا تنسى سوزان طه حسين أن تسجل انطباعاتها ومشاعرها تجاه الأحداث القومية الكبرى التى شهدتها مصر ومنها ثورة 32 يوليو 1952 التى تقول عنها «لقد هزتنى تماما، كنت أهنئ نفسى أكثر بكثير أيضا على الوقار الخارق الذى تمت به الثورة، أية سيطرة على النفس وأية فطنة، لم تكن هناك شتيمة أو أية قطرة من دم، كنت فخورة فقد عاشت مصر تلك اللحظة، ربما أجمل ساعات تاريخها.
 
ولعل أقسى المواقف الإنسانية التى عاشتها «سوزان» عندما شاهدت بلدها فرنسا تشارك مع بريطانيا وإسرائيل فى العدوان على مصر عام 1956 فتقول: كنت ممزقة أن يحب المرء بلده وأن يتوجب عليه أن يقول إن فرنسا لا تملك الحق فى تصرفها، كان أمرا مؤلما وصعب القبول، على أن المصريين لم يغيروا شيئا من مواقفهم نحوى، فلم أسمع أية كلمة جارحة أو حتى عدائية!! كنت أتألم بقسوة فى ثقتى ببلدى وفى الإساءة التى وجهت لمصر!!
 
وكما رحل طه حسين رحلت بعده بسنوات طويلة السيدة سوزان التى تظل مذكراتها عن ومع طه حسين من أصدق وأنبل المذكرات الإنسانية، وتأملوا دلالة هذه الكلمات التى تقول فيها: كل ما بقى منى يأتى إليك، فغيابك رهيب، كل شىء يزعزعنى، ينتزعنى من الحاضر!! كنت صلابتى كنت تحمينى، وها أنذا بلا دفاع.
تم نسخ الرابط