الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

ما أكثر علامات الاستفهام بل الألغاز فى قصة وفاة المشير «عبدالحكيم عامر» رحمه الله. هل كانت وفاته انتحارا كما يقال ويشاع منذ يوم 14 سبتمبر سنة 1967، أم قتلا كما يردد أفراد أسرته أمس واليوم وغدا! وليست هذه هى المرة الأولى التى يطلب فيها أحد أفراد أسرة المشير عامر إعادة فتح التحقيق فى ملابسات الوفاة، فقد جرت المرة الأولى فى زمن الرئيس أنور السادات، حيث فاتح شقيق المشير «حسن عامر» السادات فى هذا الأمر الذى شجعه بدوره على هذا الأمر!! ثم تكررت نفس المحاولات فى زمن الرئيس السابق «حسنى مبارك»، ولا توجد معلومات- كالعادة- حول ماذا جرى فى ذلك الأمر؟! ومالذى انتهى إليه؟!

 

ولعل شهادة وزير العدل أيامها «السيد المستشار عصام الدين حسونة» ذلك الرجل المحترم والنبيل تضىء بعض الجوانب المعتمة، فما نشرته الصحافة المصرية فى أعقاب الحادث مباشرة، لم يكن هو كل الحقيقة أو كل ما جرى بالضبط!

 

لقد علم وزير العدل بالأمر من خلال تلقيه مكالمة هاتفية فى الساعة العاشرة وعشر دقائق مساء الخميس 14 سبتمبر 1967 من السيد «شعراوى جمعة» يقول له بصوت خفيض: أنا شعراوى جمعة يا أخ عصام. صاحبك المشير توكل!!


 

قال وزير العدل فى استغراب: توكل!!

 

فقال شعراوى: انتحر سوف أرسل لك سيارة خاصة تحمل بعض ضباط الأمن ليكونوا تحت تصرفك وتصرف النيابة العامة.

 

وفى عبارات بالغة الدقة والوضوح يقول المستشار «عصام الدين حسونة»- وحسب ما جاء فى مذكراته- «23 يوليو. وعبدالناصر، شهادتى»: لقد كنت حريصا أشد الحرص وأنا أخطر رجال النيابة العامة والطب الشرعى بالحادث، أن استخدام الوصف الدقيق الصحيح الذى يجب أن يوصف به الحادث، قبل أن تفرغ النيابة العامة من تحقيقاتها وتنتهى منها إلى قرار، كنت حريصا أشد الحرص أن أخطرهم بحادث «وفاة» المشير «عبدالحكيم عامر» وقلت لهم بالحرف الواحد: إن الوفاة كما يحتمل أن تكون انتحارا يحتمل أن تكون اغتيالا، وأن النيابة وحدها هى السلطة المسئولة عن معرفة ظروف الوفاة و أسبابها، وأن تحقيقاتها وحدها هى المسئولة قانونا عن كشف الحقيقة.

 

على أن وزارة الإرشاد القومى- الإعلام- أذاعت من جانبها صباح يوم السبت 16من سبتمبر 1967- أى غداة وقوع الحادث بثمان وأربعين ساعة، وأثناء المرحلة الأولى من تحقيقات النيابة هذا نصه: «وقع أمس حادث يدعو إلى الأسف والألم إذ أقدم المشير عبدالحكيم عامر على الانتحار بابتلاع كمية كبيرة من مواد مخدرة وسامة، وبرغم كل الإسعافات الطبية العاجلة، فإنه أصيب أمس بانهيار مفاجئ نجمت عنه وفاته».

 

وظلت النيابة العامة حريصة فى بياناتها الرسمية أثناء سير التحقيق فى مراحله الأولى على أن تخلع على الحادث وصف «حادث وفاة» المشير، وذلك على خلاف ما جاء فى بيان وزارة الإرشاد القومى، وما نشرته الصحف فى تعليقاتها.

 

باختصار شديد وبغير الدخول فى تفاصيل مهمة أوردها وزير العدل فى مذكراته، انتهى قرار النائب العام المستشار «محمد عبدالسلام» فى العاشر من أكتوبر، إلى أنه مما تقدم يكون الثابت أن المشير «عبدالحكيم عامر» قد تناول بنفسه عن بينة واردة مادة سامة بقصد الانتحار وهو فى منزله وبين أهله، فى يوم 13 من سبتمبر1967 قضى بسببها نحبه فى اليوم التالى، وهو ما لا جريمة فيه قانونا.

 

وأمر النائب العام بقيد الأوراق بدفتر الشكاوى وحفظها إداريا!

 

 

أما ما جرى بعد، فهو الأغرب والمدهش والعجيب أيضا!!

 

وفى نفس اليوم الذى أعلن فيه النائب العام قراره انعقد مجلس الوزراء حيث يقول وزير العدل:

 

غنى عن البيان أن قرار النائب العام هو قرار قضائى لا يملك مجلس الوزراء إحداث أى تغيير أو حذف أو تبديل فى حرف واحد من حروفه.

 

وقد أخطرت المجلس مجرد إخطار- هذا واجبى السياسى كوزير العدل- بأسباب القرار ومنطوقه، وأوضحت للمجلس لماذا استغرق التحقيق الفترة التى استغرقها من     1967/9/14 إلى 1967/10/10 أى نحو شهر كامل، وذلك رغم تلهف الرأى العام وبعض جهات الحكومة على الانتهاء من التحقيق ومكاشفة الرأى العام- محليا وعالميا- بما ينتهى إليه النائب العام.

 

قلت للمجلس: لقد كنت أدرك تلهف الرأى العام- المحلى والعالمى- على الوقوف فى أقرب وقت ممكن على حقائق  الحادث، كما كنت أدرك وأشعر أيضا أن جانبا من الرأى هنا وهناك بدأ يتصور أن إجراءات التحقيق تسير فى طريق غير طبيعى. كما تناهى إلى ما سببه - هذا التصور- من تأويلات وشائعات، أدركت ذلك كله ولكنى مع ذلك حرصت كل الحرص وأوفاة على ألا يكون لاتجاهات الرأى العام وتياراته وضغوطه أدنى أثر على أن يستوفى التحقيق حقه الكامل.. دقة وتأنيا وسلامة.

 

بل أننى رفضت أى رجاء أبلغ إلى- ولو كان منسوبا للرئيس نفسه- باستعجال النيابة العامة فى إنهاء تحقيقاتها، بل أكدت لمن أبلغنى أننى شخصيا قد طلبت من النيابة العامة ألا تترك نقطة من نقط التحقيق أو شاهدا أو واقعة أو تحليلا طبيا دون تحقيق كامل.

 

لكن اللافت للانتباه أن وزير العدل فى هامش تلك الصفحة من مذكراته «ص 247» يقول بالنص: اتصل بى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» أكثر من مرة يبلغنى رجاء الرئيس حث النيابة على سرعة الانتهاء من التحقيق ويسأل ألا يمكن إعفاء أسرة المشير من الإدلاء بشهادتهم!!

 

انتهى الهامش لكن علامات التعجب لا تنتهى!

 

 

ويواصل وزير العدل شهادته، فيقول:

 

لابد لى- مرة أخرى- من التأكيد على حقيقة قانونية من الأبجديات، أن القانون لا يسمح لأى سلطة أن تتناول قرار النائب العام بالتغيير أو الإبدال أو الحذف!! أكرر هذه البديهية لأن البعض زعم أن وزير العدل قد أوحى بتغيير قرار النائب العام!! وهو زعم يخلط صاحبه- متعمدا- بين القرار وبين نشره!!

 

أما ما رئى عدم نشره من فقرات قليلة منه، فقد تم لأسباب سياسية لا شأن للنيابة العامة ولا لوزير العدل بها! وعرض هذا الأمر السيد «محمد فائق» وزير الإرشاد القومى وهو أمر من صميم اختصاصه، ومن حق مجلس الوزراء أن يناقشه فيه من حيث الملاءمة السياسية، وقد انقسم الرأى بين أعضاء المجلس.

 

كان من رأيى- من الناحية السياسية- إذاعة التقرير كاملا بغير حذف شىء، وذلك لأسباب: فالقرار متكامل وتجزئته من شأنها مسخه، فضلا عن صعوبة التجزئة، والقرار يعطى صورة صادقة على حرص النيابة العامة على سلامة التحقيقات وإثباتها لكل الشبهات التى أثيرت والقرار يرد بالمنطق على الشبهات التى يتناقلها الرأى العام.

 

وكان من رأى بعض أعضاء المجلس أنه لا وجه لنشر كل ما جاء عن التشريح، ولا للاتهامات والشبهات التى جاءت فى أقوال بعض أفراد أسرة المشير، مما قد تستخدمه بعض التيارات السياسية لإحداث البلبلة بين الرأى العام!!

 

وقد تغلب الرأى الثانى، فمنعت الفقرات الخاصة بالتشريح وأقوال الشهود الذين وجهوا بعض الشبهات إلى واقعة الانتحار من النشر!

 

وأذكر أن الرئيس أخبرنى فى منزله وهو أمر لم يعرفه مجلس الوزراء أن الأستاذ «محمد حسنين هيكل» هو الذى سيتولى مهمة بحث ما ينشر من فقرات القرار على وسائل الإعلام، فلما بدت على ملامحى إمارات الدهشة، وتساءلت وهل يعلم السيد «محمد فائق» وزير الإرشاد بذلك.

 

قال لى: هيكل هو وحده القادر على القيام بهذه المهمة، واستطرد يصف صلته بهيكل: إن هيكل هو الوحيد القادر على أن يترجم أفكاراً لى قد أتحدث فيها لساعة كاملة، فى كلمات مركزة قليلة دقيقة لا تزيد على سطر أو سطرين.

 

وينهى وزير العدل المستشار «عصام الدين حسونة» بقوله: وفى مساء ذات اليوم     10/10/7691 زارنى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى منزلى وتسلم منى صورة من قرار النيابة، وتولى المهمة التى عهد بها إليه الرئيس، وأعطى تعليماته بشأنها إلى مندوب الأهرام، وفى المساء اجتمع السيد وزير الإرشاد القومى بمندوبى الصحف، ومن بينهم مندوب الأهرام وأنهى إليهم ما انتهى إليه الرأى بشأن ما ينشر من فقرات القرار.

 

ومن سبتمبر67 حتى2012 أى بعد 45 سنة لا أحد يعرف حقيقة لغز نهاية المشير عامر!!

تم نسخ الرابط