أقصد كان الله فى عون كل حكومات مصر المتعاقبة على مدار 89 سنة من حكومة سعد زغلول سنة 1924 وحتى حكومة د. حازم الببلاوى سنة 2013.
كل هذه الحكومات واجهت مشاكل وأزمات مختلفة ومتنوعة سواء عندما كان عدد سكان مصر مليونا، أو عندما أصبح عددها يفوق التسعين مليونا!
مشكلة واحدة ظلت تؤرق كل هذه الحكومات من زمن الملك فؤاد، ثم الملك فاروق ثم الرؤساء محمد نجيب وجمال عبدالناصر والسادات ومبارك ثم د. محمد مرسى وأخيرا المستشار عدلى منصور، إنها مشكلة مرتبات الموظفين!
فى الحادى عشر من يونيو سنة 1924 عقد مجلس النواب جلسته رقم 44 حيث نظر فى الجلسة تقرير لجنة المالية عن أبواب «الماهيات والأجور والمرتبات» فى الميزانية ودارت مناقشات وخلافات، ثم تحدث رئيس الوزراء سعد زغلول باشا فقال: عندما تسلمت الحكومة مقاليد الأمور هالتها حقيقة زيادة المرتبات، ووجدت أنها خارجة عن كل حد، وأن الطريقة التى سارت عليها غير عادلة وغير مناسبة لروح الاقتصاد، وقد مضت أوقات طويلة لم يعمل فيها عملا مفيدا للدولة، بل كان معظمه منحصرا فى زيادة المرتبات أو تعديل درجات!
هذا نظام مختل جدا ومعتل للغاية، تألمت منه أنا وإخوانى كل الألم، ولهذا فإنى حضرة العضو المحترم على المقدمات التى قالها، وأنها لمقدمات يؤسف لها، ولكن الزيادات التى حصلت فى هذه الفترة، وإن كان من أثرها تحسين حالة الموظفين إلا أنه قد ترتب عليها ضرر كبير حتى بالنسبة للأخلاق، ولكنا وجدنا أمام الأمر الواقع وأمام حقوق يجب علينا أن نحترمها، فلا يمكننا أن نمس هذه المرتبات، لأننا لو مسسناها بأية كيفية كانت لترتب على ذلك انقلاب عظيم لا يحسن بنا أن نسعى إليه، لأننا وإن كنا نرى الحالة مضرة وغير عادلة، ولكن من طرف آخر يهمنا جدا أن نبقى فى الموظفين روح النشاط والجد فى العمل. لا يجوز لنا أن نأتى لموظف قد رتب نفسه على صرف 1000 «ألف جنيه» فى السنة ونقول له: لا نعطيك إلا «006» ستمائة جنيه! هذا ضرر يجب علينا أن نتوقاه، ولذلك لم نقدم على أى تنقيص فى مرتبات الموظفين ولن نقدم على هذا اللهم إلا إذا وجدت ضرورة قصوى بحيث لا تمكننا المحافظة على هذه الحالة.. وكما قدمت لا يمكن أن نقول لموظف يأخذ «0001 جنيه» سنعطيك «009» تسعمائة جنيه، لكن إذا خلت وظيفة راتبها ألف جنيه وعينا موظفا جديدا فيها بمرتب «800» ثمانمائة جنيه فإن هذا لا يضر بحق الشخص الموجود ولا بحق الحكومة!
ومضى سعد زغلول رئيس الحكومة يقول:
لذلك ترى الحكومة أن اللجنة التى اقترحت لجنة المالية تشكيلها لا تنظر فى تنقيص مرتبات الموظفين، لأن هذا يوجب خللا كبيرا جدا، وتكون نتيجته الاعتداء على الحقوق المكتسبة، والآمال المشروعة التى لها الحق أن توجد ولها الحق فى أن تحترم، وعلى هذا تكون القاعدة التى يجب أن ترسم للجنة هى أن تنظر فى ترتيب حالة اقتصادية بالنسبة للموظفين، لا تضر بحقوق اكتسبت ولا بآمال مشروعة خلفت، وتوفر على الدولة المبالغ الطائلة يجب أن يكون هذا هو الأساس، لا التنقيص، لأننا لا نرى هذا أساسا صالحا!. هذا ما يمكن للحكومة أن تعرضه كأساس لعمل اللجنة المطلوبة، أن يكون موضوع بحثها قائما على إيجاد طريقة تحفظ على الموظف حقه المكتسب ولا تضر بمصالح الحكومة من الوجهة الاقتصادية».وبمناسبة الموظفين فى زمن حكومة سعد زغلول باشا يروى المؤرخ أحمد شفيق باشا فى كتابه «حوليات مصر السياسية» هذه الحكاية ذات الدلالة البالغة: «بدأت وزارة سعد باشا أول اهتمامها إلى الموظفين ومواعيد عملهم بالدواوين وكانت وزارة يحيى باشا قد حتمت عليهم العودة بعد الظهر! وكانوا قبل ذلك لا يشتغلون أكثر من خمس ساعات فى الصيف وتزيد نصف ساعة فى الشتاء! ولكن هذا القرار أثار عاصفة من الاستياء على وزارة يحيى باشا بين الموظفين، فلما تولت وزارة سعد باشا الأمر ألغت هذا القرار وجعلت مواعيد العمل ست ساعات متواليات، ولقد أشيع أن الوزارة عازمة على تخفيض المرتبات الكبيرة وأنها ستبدأ بمرتبات الوزراء أنفسهم، ولكنها لم تقرر إلا إلغاء بدل السيارات الذى كان يصرف لكل وزير شهريا وقدره أربعون جنيها! ثم إن الوزارة وافقت على مذكرة من وزير المالية تقضى بمنع الوزارات والمصالح عن طلب إنشاء وظائف أو ترقية علاوة استثنائية أو دورية للموظفين لمدة سنة». انتهت الحكاية ولا تعليق فمازلنا نلف وندور «مع» و«وراء» بعض حول نفس المشاكل والأزمات، وكان الله فى عون كل حكومات مصر من عفاريت المرتبات وغير المرتبات!