بقلم : رشاد كامل
كان آخر ما يخطر على بال الملك فاروق أن يقوم ستة عشر رجلا من كبار الشخصيات السياسية بكتابة عريضة تنتقده، بل تهاجمه، بل تصل بهم الجرأة أن يرسلوها إليه بالبريد!
صحيح أن عريضة المعارضة ذكرته ببداية حكمه والأيام السعيدة التى كان فيها الراعى الصالح الرشيد، وكيف التفت حوله الأمة بالولاء والوفاء، لكن سرعان ما راحت العريضة تهاجم فساد الحاشية الملكية فلا تطولهم يد العدالة!
وتمضى العريضة فى شجاعة وصراحة إلى مخاطبة الملك قائلة: إن احتمال الشعب مهما يطل فهو لابد منته إلى حد، وطالبته بتصحيح الأوضاع الدستورية وطهارة الحكم وسيادة القانون!
لقد اعتبر الملك هذه العريضة المكتوبة على ورق هزيل لا يليق بمقامه بمثابة عيب فى الذات الملكية! بل أمر رجال القصر بعدم مقابلة أى فرد من الموقعين على هذه العريضة!
∎∎
وعلى ما يبدو فقد حرصت المعارضة على تسريب خبر هذه العريضة قبل أن يرسلوها إلى الملك، ويعترف «حسن يوسف باشا» رئيس الديوان الملكى بالنيابة بهذه الواقعة ويروى تفصيلاتها قائلا:
«فى الأسبوع الأول من أكتوبر ونحن بمصيف الإسكندرية اتصل بى مستر «سيريل كوليام» مراسل جريدة التيمس، وقال إنه قدم من القاهرة خصيصا لمقابلتى فى أمر مهم، وكان مستر «كوليام» من الشخصيات المحترمة فى الأوساط المصرية والإنجليزية وتشرف بمقابلة الملك عدة مرات، ودعوته إلى الغداء وامتد بنا الحديث ثم تطرق إلى الموضوع الذى حضر من أجله فقال إن له صديقا من زعماء المعارضة أسر إليه أنهم يعتزمون تقديم عريضة إلى الملك يوضحون فيها خطورة الموقف وما تنحدر إليه الأحوال فى مصر، وأنه يرغب فى استطلاع رأيى فيما هم قادمون عليه!
قلت لمحدثى إن تقديم العرائض لا يجدى نفعا وليس بالطريقة المثلى، ولما سألنى الرأى قلت إننى أقترح - بصفتى الشخصية - أن يجتمع زعماء المعارضة ليختاروا وفدا منهم لا يزيد أعضاؤه على اثنين أو ثلاثة، بطلب مقابلة الملك بعد عودته من الخارج، ويقوم هذا الوفد بعرض ما يراه على الملك سواء فيما يتعلق بتصرفات الحكومة أو تصرفات بعض أفراد الحاشية.. وقلت إننى أعتقد أن الملك سوف لا يتأخر عن مقابلتهم، فإذا لم يتحقق ظنى ولم يحدد الملك لهم موعدا، فإن طريق تقديم العرائض يظل مفتوحا أمامهم.
ويضيف «حسن يوسف باشا»: منعت الحكومة نشر العريضة وصادرت جريدة «السياسة» لهذا الغرض.
كان الكاتب الصحفى الكبير «حافظ محمود» يرأس تحرير جريدة السياسة فى ذلك الوقت، وعن ذكرياته حول الواقعة يقول:
«إن فاروقا عندما اطلع على هذه العريضة قرر أن يحتفظ بها فى حافظة جيبه على الدوام، فكان كلما حدثه أحد فى تهدئة الموقف أخرج له العريضة قائلا:
- انظر إنهم يشتموننى فكيف أسامحهم!
لقد كان نشر هذه العريضة محرما، وفى مناسبة ما ألقى الدكتور «هيكل» خطابا ضمنه أهم فقرات هذه العريضة، وكان طبيعيا أن تنشر جريدة الدكتور «هيكل» - جريدة السياسة - خطابه بالكامل، وقبل توزيع عدد الجريدة الذى نشر به هذا الخطاب كنت قد استدعيت للمحاكمة بوصفى رئيس تحرير هذه الجريدة.
وقبل أن يبدأ التحقيق أقبل على قاعة المحكمة عدد من المحامين لم أكن قد استدعيت أحدا منهم، وكان التحقيق يدور حول النص الدستورى القديم العجيب بأن: «ذات الملك مصونة لا تمس» فإذا بالأستاذ «عبدالمجيد الشرقاوى» المحامى يقول: «إن الملك بشر يخطئ ويصيب»، وقد قال سيدنا عمر: «إذا أخطأت فقومونى»!
وعند هذه العبارة تكهرب الجو واحتدم الجدال، لكن رئيس المحكمة قال: ولم الجدل؟ لنسأل أولا المدعى عليه، الذى هو أنا، وإذا كان موافقا على كلام محاميه فهو الذى يتحمل مسئوليته، وتحملت هذه المسئولية راضيا مطمئنا إلى عدل الله».
∎∎
وعندما حاولت مجلة «آخر لحظة» أن تنشر نص العريضة فى عدد 18 أكتوبر قام البوليس بمصادرتها، وكان أن أصدرت فى اليوم التالى وصفحتها الأولى بيضاء فصادرتها الحكومة أيضا لأن الفراغ الأبيض فيه إثارة للخواطر وتحريض للشعب على الثورة!
وتروى الأستاذة «مى شاهين» فى كتابها «شارع الصحافة» قائلة:
«ووقف الأساتذة «على أيوب» و«مصطفى مرعى» و«حمادة الناحل» أمام رئيس محكمة مصر يقولون للقاضى إنه لا توجد مادة فى القانون تقول إن ظهور صفحة بيضاء بالجريدة فيه تحريض على الثورة! ولكن رئيس المحكمة لم يأخذ بهذا الدفاع وأصدر حكمه بتأييد مصادرة آخر لحظة».
وأخيرا أصل إلى شهادة الدكتور «جمال العطيفى» الذى كان وقتها يشغل منصب وكيل نيابة الصحافة، التى يعتبرها فى وقتها ترمومترا للأزمات السياسية فى مصر، وكانت أخطر التهم التى توجه إلى الصحفيين - وقتئذ - هى تهمة العيب فى الملك!
وفى مذكراته البديعة «من منصة الاتهام» يروى الدكتور «جمال العطيفى» - الذى تشرفت بأنه كان يدرس لجيلى فى كلية الإعلام مادة التشريعات الصحفية - يروى قائلا:
كانت جريمة العيب فى سنة 1936 أو سنة 1939 إذا وقعت أنكرها المتهم واستنكرها حزبه وقامت لها الدنيا وقعدت وفتح السجن للمتهم فى ساعة واحدة.
ولكننا فى عام 1950 لم يعد حتى حراس الأمن والقانون يؤمنون «بالذات الملكية» لم تعد هذه الذات مصونة عند أى إنسان، صحف تصادر وتوجه إلى أصحابها تهمة العيب فى الذات المصونة ولا تجرؤ السلطات أن تمسهم!
وكنت أسمع بعض النواب العموميين المخضرمين يقول لنا: إنه من الخير للذات الملكية أن تؤول العبارات على أنها ليست عيبا وأن نحملها معانى بريئة بعيدة عن العيب، أما فى هذه الفترة التى سبقت الساعة فقد أصبحت تهمة العيب تهمة الموسم والاتهام يتلاحق، وأصبحت القاعدة إذا كانت العبارات تحتمل كل المعانى إلا العيب فلنصرفها إلى العيب!
ويضيف «د. العطيفى» قائلا:
ولهذا سمعنا عن مجلة تصادرها السلطات وتوجه إليها تهمة العيب.. لماذا؟ لأنها نشرت فى 18 أكتوبر 1950 فى صفحتها الأولى بالمانشيت الكبير نص عريضة المعارضة إلى جلالة الملك وتركت الصفحة بيضاء واكتفت بالتوقيعات وصور الموقعين.. وتصادر السلطات أعداد المجلة بحجة أن هذا النشر ينطوى على بلبلة للأفكار كما ينطوى على لوم للملك!
وقد يكون صحيحا أن هذا النشر ينطوى على بلبلة للأفكار، مع أن المجلة عللت النشر بهذه الطريقة بأن الحكومة هددتها بالمصادرة لو نشرت عريضة المعارضة فاضطرت المجلة ألا تنشر نص العريضة واكتفت بالعنوان!
ومع ذلك فقانون العقوبات الذى كانت السلطات تستند إليه فى طلب المصادرة لا يعرف جريمة اسمها «بلبلة الأفكار»!
حقيقة يعرف قانون العقوبات جريمة أخرى هى جريمة نشر أخبار كاذبة من شأنها «تكدير السلم العام» وقد يمكن تجوزا ترجمة هذا التعبير بأنه «بلبلة أفكار» ولكن شرط هذه الجريمة الأساسى أن تكون الأخبار كاذبة وعريضة المعارضة كانت حقيقة ولم تكن خبرا كاذبا!
ومضى رئيس النيابة الذى طلب تأييد المصادرة يقول أمام رئيس محكمة مصر وأنا هنا أنقل عباراته بالضبط: «إن ترك الصفحة على بياض فيه معنى اللوم الفعلى الموجه إلى من ستوجه إليه هذه العريضة لأن القارئ سيشعر لأول وهلة أن انتقادا ولوما قد وجها فى العريضة لجلالة الملك»!
ويقرر رئيس المحكمة تأييد المصادرة ويكتب فى أسباب قراره وأنا هنا أنقلها بالحرف الواحد:
وحيث إن إخراج الجريدة على هذا الوضع إنما قصد به بلبلة الأفكار، بل إثارة الأذهان وتنبيهها إلى أمر معين يوم وصول جلالة الملك بالذات مع ما ذاع من الشائعات من أن عريضة قدمت وفيها لوم «لذاته المصونة»!
ما أجمل النصوص فى قوانيننا، هكذا يعلق د. جمال العطيفى ويضيف:تمت مصادرة هذه المجلة إذن فى 18 أكتوبر 1950 لتهمة بلبلة الأفكار ولوم الملك.




