الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

 فشل الملك «فاروق» فى تحصين حكمه وملكه بعشرات التشريعات والقوانين التى أفسدت الصحافة والصحفيين، وحاولت اغتيال حرية الصحافة ! فشل  ترزية قوانين الملك وحكومته وجماعته فى إخماد صوت الحرية، وبقيت الصحافة الحرة ومات الاستبداد !

 

  ولعل أجمل ما فى مذكرات الدكتور «جمال العطيفى» - أشهر من تولى وزارة الإعلام فى مصر - أنه يروى عشرات القصص وكان شاهدا عليها بصفته ووظيفته وقتها، فقد كان يشغل منصب وكيل نيابة الصحافة !!

 

 كتب د. «جمال العطيفى» يقول : نحن نصنع القانون، نحن الجماهير، إرادتنا وإدراكنا وحاجاتنا هى التى تصنع القوانين، والقانون الذى لا يستند إلى إرادة الشعب وإدراكه وحاجاته، لن تتاح له الحياة، وسيبقى قانونا فى الصياغة والشكل فقط، أما فى الواقع فلن تكون له قيمة وسيذوب تحت وهج الحقيقة !

 

 وهكذا كان فى مصر قانون يعاقب على «العيب فى الذات الملكية»، قانون صارم يطبقه قضاة صارمون، ينطقون بأحكامهم باسم «الذات الملكية» ويحلفون اليمين أمام «ذاته المصونة» وتصدر ترقياتهم بمراسيم تنسب إليه وتسمى «ملكية» ! ومع ذلك فحين اتسعت الهوة بين الواقع والقانون، كان هؤلاء القضاة أنفسهم يبرئون المتهمين بالعيب فى هذه الذات الملكية المصونة وكان مركزهم يثير الإشفاق حقا ! فالقانون صارم وواجبهم هو تطبيقه، وليس من حقهم أن يحكموا عليه، ولكنهم كانوا يشعرون بأن هذه «الذات» لم تعد تستحق أن تبقى مصونة لا تمس !!

 

 كانوا يحاكمون الصحفيين الذين اجترأوا على هذه الذات، ولكنهم إذا عادوا إلى بيوتهم بحثوا عن مقالاتهم ليطالعوها!

 

 لم يكن من المستطاع أن تعزل القاضى عن أحاسيس الشعب التى تتجاوب من فرد إلى آخر، ولم يكن من المستطاع أن تنزعه من المجموع المستعبد الساخط !

 وكانت هذه علامة الساعة !!

 

 ويمضى د. «جمال العطيفى» ليعترف بشجاعة وصدق فى تفسير مغزى ومدلول الكلمات السابقة فيقول :

 

 حين يبدأ القاضى يفسر ويتحايل ويحاول أن يخلق المعاذير وأن يتلمس الحيل، ليبرئ الرجل الذى كتب مقالا كلنا كان يعرف أنه قصد به «الذات المصونة».

 كان هذا هو حال القضاء فى تلك الفترة القصيرة التى خرجت فيها الأقلام الحبيسة تكتب وتنتقد وقد استهانت بالقانون ولم يعبأ أصحابها بالسجن !

 عرفنا قضاة شجعانا أثبتوا للجماهير بأحكامهم أن الهوة بين الواقع والقانون قد اتسعت، وأن الأمر قد قضى ولم يبق على الساعة إلا ساعات !

 

 وعرفنا قضاة آثروا السلامة فخضعوا لحكم القانون وتجاهلوا الواقع، ولكن فى غير حماسة أو إيمان ! كان هذا النفر يقنع نفسه بأن واجبه أن يطبق القانون فحسب، هو يعلم أن الملك فاسد وأن كل كلمة كتبت فيه حق وصدق، ولكن هذا النفر لا يبحث عن المتاعب، ومع هذا فحتى هذا القاضى لم يكن يبدو متحمسا للقانون الذى يطبقه، فكان يطبقه فى تحفظ واحتياط وأداء لما يعتقد أنه واجب وظيفته !

 

 وكانت هذه أخطر علامات الساعة ! الخلصاء، حراس الأمن، القوامون على القانون.. لا يدافعون  عنه إلا وكأنهم مضطرون وفى غير إيمان وبغير حماسة !

 

 فى هذه الدوامة كنا نعيش ! وكانت «الموضة» فى التهم وقتئذ  هى «العيب فى  الذات الملكية»، فلم يعد هناك صحفى نظيف يمكن أن ينتقد الحكومة دون أن يقع  فى تلك الجريمة التى وصفتها محكمة النقض فى سنة 9391 فى وقت لعلها كانت لا تزال فيه مؤمنة «بالذات» ومتحمسة لها، فقالت:

 

إن القانون يتناول بالعقاب كل قول أو فعل أو كتابة أو رسم أو غيره يكون فيه مساس تصريحا أو تلميحا، من قريب أو بعيد، مباشرة أو غير مباشرة بتلك الذات المصونة».! !!

 

 كانت إحدى الصحف قد نشرت عقب إقالة الوزارة النحاسية فى سنة 8391 مقالا عنوانه «نظام تعس وعهد أسود، رئيس الوزراء، ورئيس الديوان، عدوانهما على حقوق العرش» ! وقد هاجم فيه الكاتب إقالة الوزارة النحاسية فقدم إلى المحاكمة وحكمت عليه محكمة الجنايات بالسجن، فطعن الصحفى فى الحكم أمام محكمة النقض، فوضعت المحكمة العليا هذه المبادئ المتقدمة».

 

والحقيقة - يقول د. العطيفى - أن هذه المبادئ كانت مبالغة !

 

 وفى سنة 6491 يكتب صحفى منتقدا تعيين سفير لمصر فى لندن ويقول :

 

إن السفير لم يقصر فيما أرسل من أجله، ولكنه لا يصلح، وليس هذا عيبه بل عيب من أرسله !! فيقدم إلى المحاكمة ويدخل السجن من أجل عبارة «ليس هذا عيبه بل عيب من أرسله» بحجة أنها تتضمن عيبا  فى الملك لأن تعيين السفراء كان بأمر ملكى!

 

 ومع هذا فإن العيب فى «الذات المصونة» فى الصحف لم يكن حتى ذلك الوقت قد اتخذ صورة كاملة واضحة تنطوى على خطورة حقيقية!!، ولكن فى عام 0591 لم يعد حتى حراس الأمن والقانون يؤمنون بالذات الملكية» ! لم تعد هذه الذات مصونة عند أى إنسان !

 

 

 ويواصل د. «العطيفى» شهادته بالغة الأهمية فيقول :

 

بل امتد اهتمام السلطات إلى العيب فى حق أى ملك ! «إيران فوق بركان» كان هذا عنوان الكتاب الذى قدم مؤلفه - «الأستاذ محمد حسنين هيكل» - إلى المحاكمة فى عام 1591 بتهمة العيب فى حق «صاحبه الجلالة إمبراطور إيران»!

 

 ولكن محكمة الجنايات برأت المؤلف وقالت عن كتابه أنه نقد مباح، وحقيقة تاريخية واجبة التسجيل وأنه يجب إسباغ الحماية عليه وتشجيعه!

 

 ثم يروى د. العطيفى هذه الواقعة بالغة الغرابة والتى جرت فى  أعقاب حريق القاهرة الشهير فى 62 يناير سنة 1591 فيقول :

 

استغلت السلطات هذا الحادث المشئوم لتنكل بأعدائها واتسعت حركة الاعتقالات وحظر التجول على المصريين جميعا إذا هبط  المساء فكان هذا أغرب اعتقال جماعى عرفه الناس فيقول :

 

 «كنت قد حققت فى مقال نشر، عنوانه «ماذا يخرج الوزراء والكبراء وماذا يبقيهم ؟» ولكننى لم أوجه إليه فى التحقيق تهمة العيب التى أبلغت السلطات أن المقال يتضمنها ! بل سمحت له بالانصراف، ولم أطلب رفع الحصانة عن كاتب المقال وقد كان عضوا فى البرلمان وقتئذ.

 

 ولم يكن هذا التصرف إلا تفسيرا سليما  لعبارات المقال، كان يمكن أن يقوم به أى محقق منصف، وقد توليت التحقيق فى شهر أكتوبر 1591 وكان الاتجاه وقتئذ جارفا نحو حرية الصحافة، وكان الشعور العام فى البلد الذى انعكس على تصرفات النيابة ينفر من حبس الصحفيين.

 

وتعرضت لتحقيق تهمة عيب أخرى فى بلاغ عجيب تلقيته من إدارة الأمن العام فحواه أن إحدى الصحف نشرت أن الملك أبلغ الحكومة أنه سيستعمل حقه الدستورى فى عدم توقيع قانون من أين لك هذا إذا لم يكن رجعيا ! تطبيقا لنص المادة 53 من الدستور!!

 

 ودهشت أن تطلب السلطات التحقيق مع الجريدة لنشرها هذا الخبر، فإن كانت تقصد أنه عيب فى الذات الملكية فإنها تكون هى التى عابت فى الملك، لأن هذا الخبر يظهر الملك على أنه ملك دستورى حريص على أن يستعمل حقه الدستورى فى الاعتراض على القوانين بما يتفق والمصلحة العامة التى تقضى بمحاسبة الوزراء والموظفين العموميين على تصرفاتهم السابقة.

 

 وإن كان مفهوما أن الجريدة لم تكن تقصد الدفاع عن الملك بل كانت ترمى إلى مهاجمة الوزارة القائمة بهذا الأسلوب الذى تحتمى فيه بالملك، أو لعلها كانت تقصد توريط الوزارة والملك معا!!

 

وإن كانت السلطات تقصد ببلاغها أن هذا الخبر مخالف لقانون أنباء القصر الذى كان يفرض استئذان وزير الداخلية فى نشر الأنباء الخاصة بالملك، فإنها تكون خاطئة فى تفسيرها لأن هذا القانون لم يكن يجب الإذن إلا فى نشر الأنباء المتعلقة بالشئون الخاصة للملك أو الأسرة المالكة وليس الأنباء العامة !

 

 وكان طبيعيا إذن أن أحفظ هذا البلاغ دون تحقيق فى 41 أكتوبر 1591

 

 ذهب «الملك» وعاشت حرية الصحافة!∎

 

تم نسخ الرابط