الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : رشاد كامل

 

لن تنتهى معارك الصحافة مع الطغاة والمستبدين!

وفى كل معارك الشعب المصرى من أجل الحرية والعدالة والاستقلال، كانت الصحافة الحرة هى المدفعية الثقيلة التى تدك حصون الطغاة والاستبداد بمقالاتها وتحقيقاتها ورسومها أيضًا.

المستبد فى كل زمان ومكان يتصور أن كل صحيفة تخالف رأيه هى صحيفة ضد الوطن! وأن كل مقال ينتقد سلوكه السياسى هو نقد هدام، وصاحبه عميل مأجور!!

 

 

إن الحاكم يعشق الصحافة ويحبها إذا مدحته وأشادت به ووجدت فى كل تصرف يقوم به حكمة وعقل وذكاء لا نظير له، أما غير ذلك فهى صحافة عميلة مأجورة تسعى لتخريب الوطن وتمزيقه وعميلة لقوى أجنبية هدفها تقسيم الوطن وإشاعة الفوضى!

ولو قرأت مذكرات «مصطفى النحاس» زعيم الأمة لوجدت العجب العجاب من صور الاستبداد والقهر الذى مارسته الحكومات ضد الصحافة عامة وصحافة الوفد خاصة.

مذكرات النحاس باشا كان قد أملاها على سكرتيره «محمد كامل البنا» ثم قام بدراستها وتحقيقها الكاتب والمحقق المتميز الأستاذ «أحمد عز الدين» عندما صدرت كاملة- فى جزئين- عام 0002 عن دار العصور الحديثة.

ولم يكن الاضطهاد ضد صحافة الوفد فقط بالتعطيل والمصادرة والإلغاء بل وصل مداه إلى «النحاس باشا» شخصيًا، فقد قرر رئيس الحكومة وقتها «إسماعيل صدقى باشا» تخفيض معاشه من 521 جنيهًا إلى 76 جنيها، وهذا المعاش هو كان كل ما يحصل عليه من الحكومة!!

أما الأغرب والأعجب فقد حدث عندما ذهب النحاس باشا لأداء صلاة الجمعة فى مسجد السيد عبدالوهاب الشعرانى بحى باب الشعرية، وما أن رآه المصلون حتى هبوا يكبرون ويحيونه، ثم يقول «النحاس باشا»:

«وبينما نحن نستمع إلى الخطيب هرعت فرقة من رجال البوليس على رأسهم مأمور القسم شاهرين بنادقهم وأغلقوا المسجد على المصلين ومنعوا الدخول إليه والخروج منه، ولم تكد الصلاة تنتهى حتى فتحوا الباب الرئيسى ووقف شرذمة من رجال البوليس المسلحين عليه وأخذوا يقبضون على الخارجين من الصلاة ويفتشونهم، ويسوقونهم إلى اللوريات الواقفة أمام المسجد، ولما هممت بالخروج والذين كانوا معى لم نجد «أحذيتنا» وتبين أن العساكر قد أخذوها بأمر المأمور فاضطررنا إلى الخروج فى الشارع حفاة، وسرنا مسافة طويلة لأنهم قد أبعدوا سياراتنا إلى مسافة طويلة ثم قبضوا على عدد من الذين كانوا يرافقوننى وأعملوا فيهم الضرب بالعصى والهراوات، وقبضوا على مصور جريدة «الجهاد» واختطفوا آلة التصوير منه وزلقوها على الأرض فتهشمت وتحطم زجاجها.

وقد كان تصرفًا إن دل على شىء فهو يدل على الصغار والأساليب الحقيرة التى عمد إليها رجال البوليس بناء على الأوامر التى صدرت لهم من رؤسائهم الذين يديرون دفة الحكومة فى هذه الأيام الحالكة السواد».

ولا أحد يدرى ماذا فعل البوليس «بحذاء النحاس باشا»؟! وهل أوصلوه إلى مكتب رئيس الحكومة «صدقى باشا»؟!

∎∎

وفى مذكراته البديعة يروى النحاس هذه الواقعة البالغة الغرابة فيقول:

«شكا لى رئيس تحرير «المصرى» أن الرقابة تضايقه مضايقة شديدة وأن كل خبر ينشره يشطبه الرقيب، ويصمم على أن تخرج الصحيفة ممتلئة وليس فيها مكان خال بشرط أن يوافق على ما ينشر فيها ومن هنا كانت مهمة المحررين صعبة جدًا، لأنهم لا يجدون مواد يملأون بها الفراغ.

فقلت له حاول قدر المستطاع أن تخرج هذه الصحيفة، وإذا لم تجد من المواد السياسية ما تلمؤها به، فأعمد إلى ذكر قصص أدبية أو فوائد طبية أو ما شاكل ذلك، فوافق وقال سأجرب!!

وصدرت صحيفة «المصرى» وفى أظهر مكان فيها كتب مقال بين إطار عنوانه «فوائد النوم» فقرأته وضحكت كثيرًا من الحيلة التى لجأ إليها رئيس التحرير لملء الصحيفة وإخراجها فى موعدها»!!

ثم يروى «النحاس باشا» هذه القصة أيضا فيقول:

من أول يوم أعلنت فيه الحرب- العالمية الثانية- فرضت رقابة مشددة على الصحف وبخاصة الصحف الوفدية، وكان نصيب جريدة «المصرى» من الرقابة نصيبًا قاسيًا، فقد حرم عليها أن تنشر أى كلمة يشتم منها تأييد الوفد أو معارضة النظام القائم إلى حد أن محررى «المصرى» كانوا فى حيرة من أمرهم، فالرقابة تفرض عليهم ألا ينشروا كلمة أو أى خبر إلا إذا وافق عليه الرقيب، وفى الوقت نفسه لا يترك أى جزء من الصحيفة فارغًا بل يجب ملؤه وإلا منعت الصحيفة من الظهور!

وكان المحررون يتفننون فى هذا المضمار إلى حد إنهم كانوا يكملون الصفحات بكلمات تافهة لا علاقة لها بالسياسة ولا تمت للصحافة بصلة!

ولعل من الطريف الذى صنعته المصرى حين شددوا عليها الرقابة إن كانت تنشر فى أبرز مكان منها مقالات تملأ بها الفراغ مثل «فوائد الثوم» و«مزايا البصل»!!

ولقد قرأت المقال المعنون بفوائد الثوم، فطفقت أضحك وأسخر من تلك الرقابة الحمقاء، إذ كيف يستبيح الرقيب أو رئيسه أن تصدر جريدة كبرى كالمصرى وفيها أن للثوم فوائد جمة ومنافع عظيمة ومنها إنه يخفف مرض الضغط ويجعل للطعام نكهة طيبة وهكذا.

ثم يضيف «النحاس باشا» قائلاً:

شكا إلىّ الصحفيون أن الرقابة اشتدت عن ذى قبل وأن الرقيب يتدخل حتى فى مقابلات أعضاء الوفد والهيئة الوفدية والزائرين الذين تذكر أسماؤهم فى الصحف!

ومن السخافات التى وصلت إلى علمى أن مدير تحرير المصرى اتصل بى وقال لى إن الرقيب حذف من مقابلات الرئيس الجليل ما تعودنا أن ننشره كل يوم، سألته هل حذف أسماء زائرين؟! قال: لا إنه طلب أن تحذف كلمة استقبل الرئيس فى داره العامرة! فقلت له: قل استقبل فى داره غير العامرة لينتهى الإشكال».

∎∎

ثم يروى «النحاس باشا» هذه القصة والتى تكشف عن مرونته السياسية تجاه بعض المواقف فيقول:

طلب الدكتور «محمد مندور» مقابلتى لأمر عاجل وحضر وأطلعنى على مقال كتبه حلل فيه الموقف السياسى من جميع نواحيه، وخلص منه إلى أن «مفتاح الموقف يكمن فى احترام الدستور ومراعاة رغبات الأمة ولن يكون ذلك إلا بانتخابات حرية تجريها وزارة محايدة وتتولى الأغبية حكم البلاد، أما الوزارات المرقعة والتغييرات المضطربة فهى أشبه ما تكون بمسكن يعطى المريض بداء لابد أن يستأصل بعملية جراحية، فأما أن تجرى له العملية أو يظل يقاسى بين الحين والحين من آلام المرض وسيظل الجرح ينزف كلما تحرك أو هم بأى حركة».

وقال- مندور- أن هذا المقال أخذه الرقيب ليطلع عليه الجهات العليا كما قال ولكنه لم يجبنى عليه، فقلت له: اتصل بمكرم باشا أو بصبرى باشا أو بنجيب الهلالى باشا أعضاء لجنة الصحافة بحزب الوفد ليتكلموا مع المسئول عن الرقابة ويشتدوا معه فى المناقشة حتى يساوى بينكم وبين الأهرام والمقطم والجرائد الحكومية التى يترك لها الحبل على الغارب تكتب ما تشاء».. و.. و

ودارت اتصالات ومشاورات يقول «النحاس باشا»:

اتصل بى أبو الفتح «رئيس التحرير» وأخبرنى أن مقال الدكتور مندور سُمح بنشره مع بعض التعديلات وحذف العبارات العنيفة الموجهة إلى الحكومة.

وقلت له: شىء خير من لا شىء، وأنت بلباقتك الصحفية وتجاربك الطويلة تستطيع أن تخرجه إخراجًا بين أهميته ويفهم منه القراء المراد منه، وفى أبنائنا والحمد لله من يقرأ ما بين السطور ويستنتج الأشياء استنتاجًا صحيحًا.

∎∎

ولعل الأغرب من كل ما فات هو ما حدث للنحاس باشا وكان يشغل منصب رئيس الحكومة وبعد أن تم توقيع اتفاقية سنة 6391 وقرر مجلس الوزراء إعداد كشف بالإنعام برتب ونياشين على كبار موظفى الدولة ومن أدوا خدمات وطنية للبلد، وكلف كل وزير فى وزارته بأن يعد كشفًا بالأسماء التى تستحق ذلك، وفوجئ النحاس باشا بيوسف الجندى وكيل الداخلية البرلمانى بتقديم كشف بأسماء كبار موظفى وزارة الداخلية والمصالح التابعة لها.

يقول «النحاس باشا»: لما أطلعت على أسماء الصحفيين وجدتهم جميعًا من غير المصريين ولفت هذا نظرى فأعدت الكشف إلى وكيل الوزارة وقلت له: أليس فى مصر صحفيون مصريون حتى يكون جميع من فى الكشف من إخواننا السوريين واللبنانيين والأجانب المتوطنين؟!

تجمعت لدى جميع الكشوف بما فيهم كشف الصحافة بعد التعديل وإدخال أسماء مصرية عليه، ولما تكلمت مع الأمير «محمدعلى» رئيس مجلس الوصاية فيه اعترض اعتراضا عنيفًا على أسماء الصحفيين ورفض رفضًا باتًا أن ينعم عليهم وقال إنهم شرذمة لا يستحقون تكريما ولا إنعامًا!!

ولكنى رددت عليه بأن الوزارة قد بحثت هذا بحثًا دقيقًا، وأن الصحفيين هم طائفة من أبناء الأمة يقومون بخدمات جليلة لها، ويجب أن ينالوا نصيبهم من التكريم بمناسبة إبرام المعاهدة، ولكنه أصر على الرفض وأبى أن ينعم بأى رتبة على أى صحفى مصرى!!

وكانت أول أزمة تقع بينى وبينه فأحببت ألا تحتدم، وبعد نقاش طويل اقتنع وانتهت الأزمة بسلام».

∎∎

ولذكريات النحاس بقية.

تم نسخ الرابط