بقلم : رشاد كامل

رشاد كامل
رغم مرور 54 سنة على حادث وفاة المشير (عبدالحكيم عامر) - الرجل الأول مكرر - فى تاريخ مصر الحديث ، فلا تزال الحادثة محل تساؤل بلا إجابة، وعلامات استفهام لا حدود لها !!
هناك من يرى ولديه معلوماته ووثائقه ومستنداته أن (المشير) رحمه الله قد انتحر !!
وهناك من يرى ولديه معلوماته وتأكيداته أن المشير قد قُتل!!
وطوال 54 سنة مازالت الحقيقة غائبة وغائمة، ويظل ما جرى وقتها فزورة ولغزا وعلامة استفهام !!
وغداة الحادث التقى وزير العدل وقتها (المستشار عصام الدين حسونة) بالرئيس جمال عبدالناصر فى بيته، وحسب شهادته فقد كان (عبدالناصر) كسير النفس محزونا ، ارتسمت على ملامحه مشاعر الأسى والأسف وقد انعكست الحالة النفسية على حالته الصحية وقال عبدالناصر له:
أنت لا تعرف مدى عمق صلتى بعبد الحكيم، إن شبحه لا يزال يملأ كل ركن من أركان منزلى.. لقد تآخينا ونحن شباب صغار.. وتصاهرنا تزوج أخى (حسين) بابنته (آمال) ، وسمى كل منا أولاده باسم الآخر عندى (عبدالحكيم).. وعنده (جمال).. عشنا أكثر من أخوين.. لم يدر يوما بخيال أحدنا أن ينتهى الأمر بنا إلى ما حدث.!
فى تلك الأيام لم تنشر الصحافة وكانت مملوكة للدولة إلا ما كانت تريد أن تنشره ، ولم يكن هناك أى مجال للاجتهاد الصحفى أو السياسى أكثر مما تقوله الدولة وعبر لسان ومقالات الأستاذ (محمد حسنين هيكل) !
وفى عام 2991 - أى بعد مرور 52 سنة على حادث الوفاة - نشر الأستاذ (أمين هويدى) الذى شغل مناصب وزير الإرشاد ، ووزير الحربية ورئيس المخابرات كتابه المهم (الفرص الضائعة) فى حوالى 876 صفحة فى بيروت ، ورغم أن فصول الكتاب تناقش القرارات الحاسمة فى حربى الاستنزاف وأكتوبر - حقائق تنشر لأول مرة مع ثمانى وثائق سرية - لكن اللافت للنظر ويدعو للدهشة أن الأستاذ (أمين هويدى) نشر ضمن هذه الوثائق ما أطلق عليه (الوثيقة رقم 7 خاصة بالمؤامرة التى تورط فيها المشير عبدالحكيم عامر) بعد النكسة !
وأتوقف أمام تقرير (عميد أ. ح سعد زغلول عبدالكريم) مدير الشرطة العسكرية والذى رفعه إلى وزير الحربية بعنوان (تقرير عام عن يوم 61/9/7691) وقد جاء بالحرف الواحد كما يلى :
داخل القوات المسلحة :
قوبل نبأ انتحار السيد المشير بمزيد من الوجوم والحزن فى القوات المسلحة التى قادها فترة خمسة عشر عاما ، وأن هذه النهاية المؤلمة لم تكن متوقعة لأحد ضباط الثورة ويرى البعض أن ما حدث هو قضاء الله وقدره.
ما قيل عن أسباب الانتحار :
إحساس المشير بأنه تورط عن طريق المحيطين به فى أعمال تسىء إلى موقفه أمام الرأى العام والسيد الرئيس.
الطريقة التى تناولت بها الصحف موضوع التحقيقات الأخيرة.
شعور السيد المشير بأن الذين أحاطوا به استغلوا طيبته وطباعه فى الإساءة إليه وألبسوا مطامعهم الشخصية ثوب المبادئ وخاصة ما هو معروف عن بعضهم من مواقف مشينة.
- إحساس المشير أن التحقيق تناول موضوعات شخصية (علاقات نسائية) وأن هذه التحقيقات تسىء إلى ماضيه ومكانته.
يستبعد البعض ما قيل من أن ظروف العمليات الأخيرة كانت سببا فى إقدامه على الانتحار إذ أنه لو صح ذلك لكان قد انتحر فعلا يوم 8/6/7691.
ثم يشير التقرير إلى نتائج الانتحار ومنها مثلا :
- قيل إن المشير أراح واستراح وأن جلال الموت له اعتباره بالنسبة إلى ما نسب إلى السيد المشير أخيرا.
يقال إن السيد الرئيس قد أصيب بأزمة صحية نتيجة لانتحار السيد المشير وأن ذلك منعه من تشييع الجنازة.
يطلب البعض إصدار بيان يوضح دور المشير فى جميع مراحل النكسة حتى انتحاره ويذهب البعض أن هناك أسرارا متعلقة بالعمليات أدت إلى هذه النهاية.
ينتقد البعض الطريقة التى أعلن بها نبأ انتحار السيد المشير وأن أجهزة الإعلام لم تعط الموقف حقه ، وقارن البعض ما حدث يوم وفاته وما حدث فى وفاة المشير عبدالسلام عارف - رئيس العراق السابق - من إذاعة آيات قرآنية.
ثم ينتقل تقرير الشرطة العسكرية إلى (الأوساط المدنية) فيقول :
(سرى نبأ انتحار المشير بين الغالبية العظمى من المواطنين بصفة مؤكدة قبل إذاعة البيان الرسمى عن حادث الانتحار ، وقوبل هذا النبأ بمزيد من الحزن والأسى).
وينتقل التقرير إلى موقف (الطبقة المثقفة) فيقول :
انقسمت تلك الفئة إلى قسمين ، قسم يشك فيها للأسباب التالية:
كيف يترك المشير بدون حراسة مشددة خاصة بعد إقدامه على الانتحار ؟ ! لماذا لم يعمل على إعادته لمنزله حتى يكون فى رعاية أسرته أو بقائه بالمستشفى حتى يكون تحت الرعاية الطبية !!
إن المشير قد قُتل لتخفى حقائق كثيرة ويتساءلون عن كيفية وصول المادة السامة إليه وخاصة أنه نقل إلى أحد قصور الضيافة.
وهناك فئة أخرى تصدق أن المشير قد انتحر، إلا أنها علقت أن نشر الخبر والتعليق عليه ظهر بصورة قد تسىء إلى بعض المسئولين عن هذا الحادث.
وينتقل التقرير إلى (الطبقة المتوسطة) فيقول : لا تصدق أن المشير قد انتحر !
أما عن (رجل الشارع) فيقول التقرير ما يلى : قبل حادث الانتحار كان يطالب بالمحاكمة العلنية لكل من تناولته التحقيقات فى النكسة ، إلا أنه بعد هذا الحادث انقلب إلى عطف وأسى على موت المشير وأشيع بينهم أن المشير قد مات مسموما.
وبعد ذلك يشير التقرير إلى (أسئلة تتردد على ألسنة الرأى العام) ومنها :
عن أسباب عدم تشييع الجنازة رسميا ، عدم إذاعة خبر الانتحار إلا بعد يومين من وفاته ، عن أسباب مغادرته المستشفى بعد محاولته الانتحار، عن عدم صدور بيان من الرئيس بالنسبة للصداقة والزمالة، وخاصة أنه لم تتم المحاكمة حتى يقال أنه ثبتت إدانته ، عن أسباب عدم انتقال المحقق لسماع أقواله بمنزله نظرا لمركزه ومكانته الرفيعة.
كما رصد التقرير عدداً من الشائعات ومنها : أن المشير رفض التوجه مع مرافقه وحاول الاعتداء عليهم بإطلاق الرصاص، ولكنه هدد بأن أولاده قد احتفظ بهم كرهائن ، أنه يتم اعتقال الرائد طيار (حسين عبدالناصر). (زوج ابنة المشير وشقيق الرئيس) لمحاولته القيام بأعمال ضد الرئيس ولصالح المشير، أن (شمس بدران) - وزير الحربية - قد هرب من السجن الحربى ، وأخرى تفيد أنه توفى نتيجة للتعذيب الذى وقع عليه ، إنه يوجد بمنزل المشير مبالغ مالية كبيرة ووجود مائة سيارة خاصة وعدد كبير من الشقق.
انتهى أبرز ما جاء فى التقرير بتوقيع مدير الشرطة العسكرية (عميد أ. ح) سعد زغلول عبدالكريم!!
أما الوثيقة الثانية فقد كانت مذكرة الشرطة العسكرية عن مأمورية المشاركة فى تشييع جثمان السيد المشير بتاريخ 61/9/7691 وتقول:
بلغ المشيعون حوالى ألف مشيع.
2- كان نجل السيد المشير (جمال) يبكى بشدة بعكس شقيقه (نصر) الذى لم يبك إطلاقا.
3- خرج (جمال) و(نصر) من المنزل ومعهما صورة السيد الرئيس فى برواز كبير وألقوها على الأرض فتحطمت وقالوا: (هو ده إللى قتل أبونا.. الراجل ابن الـ....)
4- جرى (بكرى عامر) وحمل الصورة من على الأرض وأدخلها منزلا مجاورا وأدخل الأولاد بالقوة لمنزلهم.
5- بعض الأقارب من الصعايدة ردد حوالى ثلاث أو أربع مرات (يا خراب البلد من بعدك يا عبدالحكيم ، يخرب بيتك يا...)
6- كان (بكرى عامر) يحاول السيطرة عليهم وقفل أفواههم.
7- حاول بعض الأهالى الاعتداء بإلقاء الطوب على عربتى نقل الموتى (جيسن).
8- استدعى الدكتور المرافق للمأمورية لحرم سيادة المشير وأخته حوالى ست مرات.
9- خلاف هذا لم يحدث أى شىء غير طبيعى.
10 - عادت المأمورية تمام.
انتهى التقرير.
ولو كانت هناك صحافة حرة عينها على القارئ لا على السلطان ، لما تحولت الشائعات والأساطير إلى حقائق !!
الصحافة الحرة تحمى السلطان قبل المواطن ! تحميه من أن يتحول إلى طاغية أو نصف إله !!



