بقلم : رشاد كامل
لم تشهد الصحافة المصرية اضطهاداً أو ظلماً ومحاكمات ظالمة وفصلا وسجنا واعتقال صحفيين وإغلاق صحف أو مصادرتها وتعطيلها كما شهدته فى زمن وزارة «إسماعيل صدقى باشا» التى جاءت فى أعقاب استقالة حكومة «مصطفى النحاس باشا» فى 61 يونيو 1930.
لم تستسلم الصحافة لاستبداد وطغيان حكومة «صدقى باشا» ولم يرهبها بطش واستبداد الحكومة المدعومة من الملك فؤاد والإنجليز، وانتصرت الصحافة وسقطت الحكومة، عاشت الصحافة، ومات الطغاة!!
وفى مذكراته البديعة والمهمة التى أملاها النحاس باشا على سكرتيره «محمد كامل البنا» «تحقيق ودراسة الأستاذ أحمد عز الدين» يقول «النحاس باشا»:
ظلت الوزارة بالمرصاد لكل صحيفة تصدر حتى بلغ ما عطلته فى شهر واحد أكثر من خمس عشرة صحيفة، ولكن هذا كله لم يفت فى عضد الوفديين ولا نال من حماستهم أو وطنيتهم، وقد أبوا ألا يخرجوا الصحيفة وهم يعلمون إنها لن تمكث أكثر من يومين أو على الأكثر أسبوعاً واحداً».
ويضيف «النحاس باشا»: للمرة الثالثة تعطل الوزارة صحيفة يومية أخرى حررها «توفيق دياب» وطالب بعودة الدستور، أخيراً أصدر «توفيق دياب» صحيفة سماها «الجهاد» وكتب عليها لسان حال الوفد المصرى، ووضع لها «شوقى» الشاعر شعاراً جاء فيه: «قف دون رأيك فى الحياة مجاهداً، إن الحياة عقيدة وجهاد»، وقد كتب لها أن تعيش وألا يعطلها صدقى ثانى يوم أو ثالث يوم صدورها.
ثم يتحدث النحاس باشا عن التحاق د. طه حسين بجريدة «الوادى» وهى جريدة كان رقمها الثامن فى الصدور، بعد أن عطل «صدقى باشا» سبع صحف قبلها ولم يأت عليها دور التعطيل بعد!
ويحكى «النحاس باشا» هذه القصة البالغة الغرابة فيقول: «نشرت الصحف الوفدية نصوص خطابات تبودلت بين أفراد من الوزارة الحالية وبين آخرين تحمل فضائح ووقائع رشوة قدمت لعديد من رجال العهد، وقد أحدث نشر هذه الخطابات ضجة كبيرة فى مختلف الأوساط وعدها الشعب فضيحة الفضائح وكبرى المصائب، وبادرت الحكومة بدورها فكذبت صدور هذه الخطابات، واتهمت الصحف بتزويرها واختراعها وأبلغت النيابة العامة للتحقيق!
حققت النيابة مع الصحفيين الذين نشروا نصوص الخطابات المزورة كما قالت الحكومة وقد قدم محررو الصحف أصل الخطابات التى قدمت لهم، وذكروا أسماء الذين قدموها إليهم، فطبلت الحكومة وزمرت لهذا التزوير الخطير الذى ارتكبه الوفديون لينالوا من شرف الوزارة وسمعتها، وأحالت النيابة المتهمين إلى محكمة جنايات القاهرة لمحاكمتهم على تلك الواقعة المشينة التى ارتكبوها!
تبين من التحقيقات الأولية أن الخطابات مزورة فعلاً، وأنها دست على الوفديين بقصد الايقاع بهم واتهامهم بأنهم يلفقون الوقائع، ويخترعون الحوادث للإساءة إلى الوزراء، وقد اهتم الرأى العام المصرى بقضية الخطابات وقد اتهمت النيابة بعض الشباب الوفدى بأنهم زوروا هذه الخطابات بأمر من رئيس الوفد ورجاله، وجاءوا بشاب اسمه «زكى خطاب» وشهد أمام المحكمة بأنه أخذ هذه الخطابات من كبير وفدى يأمره وقدمها إلى الصحف.
ورأت المحكمة بعد إنكار رجال الوفد هذه الواقعة أن تحيل الخطابات إلى خبير فى مضاهاة الخطوط، وكان ذلك الخبير خبيراً حكومياً اسمه «محمد سعود» ولكنه خيب أمل الحكومة وأثبت أن شاهد النيابة هو المزور، وأن الخطابات دست على الصحف الوفدية دساً، وأن أحداً من أعضاء الوفد ولجانه لم يشترك فيها».
ثم يحكى «النحاس باشا» واقعة طريفة لا مثيل لطرافتها فيقول:
انفردت جريدة «الجهاد» دون سائر الجرائد بنشر انتصارات «الحبشة» على إيطاليا وأتت بإحصاءات القتلى والأسرى بأعداد هائلة «!!» وسألت عن هذا فقيل لى حديث طريف دبره بعض الصحفيين ليروجوا الجريدة!! ومن العجيب أن الجريدة أصبحت توزع ألوفاً مؤلفة، وكان القراء يتلهفون عليها حسبما أخبرنى توفيق دياب
وبطبيعة الحال كانت «روزاليوسف» حاضرة وبقوة فى مذكرات النحاس باشا، وكانت البداية عندما كتب يقول:
أعلنت جريدة «روزاليوسف» الأسبوعية أنها ستصدر يومية على مبادئ الوفد المصرى وقد عينت لها - كما بلغنى - طائفة من المحررين مشكوك فى وفديتهم وفى أنهم يؤيدون الجناح المتطرف فى الوفد.
ويعلق النحاس باشا على ذلك بقوله: «إذن أخذ الناس يتحدثون فى الخارج عن أن فى الوفد جناحين معتدلاً ومتطرفاً، ولقد ساءنى هذا كثيراً لأنى أعلم أن الوفد منذ أن انتخبنى رئيساً له على قلب رجل واحد، وعلى مبدأ واحد ولا نعرف فيه معتدلاً ولا متطرفاً».
ثم ينتقل «النحاس» إلى رصد الخلاف الذى نشب بين صحيفتى «الجهاد» و«روزاليوسف» وكلتاهما تنطقان باسم الوفد فيقول:
بدأت صحيفتا الجهاد وروزاليوسف تثيران بعض الاتهامات وأخذ «العقاد» يشتم صراحة فى «توفيق دياب» ويتهمه بأقبح الأوصاف، وأخذ «توفيق دياب» بدوره يلعن «العقاد» ويصفه بالجنون والغرور والغطرسة والوصولية!.
وقال لى مكرم «عبيد» إن توفيق دياب رجلنا وهو مخلص يؤمن جانبه، أما «العقاد» فهو شخص متقلب لا تطمئن إليه ولكننى قلت له: لا يليق أن نسئ إلى رجل لايزال إلى الآن معنا ومنتسباً إلينا، ولم يعلن أنه خرج على مبادئنا، ويوم يتغير أو يتذبذب يكون لنا معه موقف آخر».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ويواصل «النحاس باشا» قائلاً:
جاءنى «مكرم» متألماً وعليه آثار الغضب الشديد، لأن «عباس العقاد» كتب مقالات فى روزاليوسف اليومية فيها تعريض بالوفد وبه خاصة وأخذ يكيل السباب لتوفيق دياب ولصحيفته المأجورة واستأذن فى أن يرد على العقاد فوافقته، ولكننى اقترحت ألا يكون الرد فى «الجهاد» حتى لا يؤول تأويلاً سيئاً، ويحسن أن ينشره فى «كوكب الشرق»، ولكن «مكرم» اعترض بأنها ليست منتشرة فقلت له: خاطب توفيق دياب بأن ينقل ما تكتبه فى الجهاد».
ظهرت كوكب الشرق وفيها مقال بقلم «مكرم عبيد» عنوانه «آخرة العقاد: حقيقة الكاتب وما كتب» والحق إنه كان مقالا بليغاً فند فيه كل اتهامات «العقاد» والتعريض الذى كتبه ووضع النقط على الحروف، وقد نقلته «الجهاد» كما اقترحت!
اشتدت المعركة بين جريدتى روزاليوسف والجهاد وأصبحت حديث المجالس وأخذ «العقاد» يكتب صراحة طعناً مكشوفاً فى الوفد وخاصة «مكرم» وكان كل عدد من «روزاليوسف» يحمل بين طياته أخباراً مختلفة وأنباء ملفقة، وقد زارنى عدد كبير من أعضاء الهيئة الوفدية ولجان الشباب الوفدى يستنكرون هذه التصرفات ويطلبون أن تعلن سكرتارية الوفد أن جريدة روزاليوسف لا تعبر عن رأى الوفد ولا تنتسب إليه، وأن ما يكتب فيها إنما يمثل رأى كاتبيه دون سواهم، ولكننى فضلت أن أؤجل مثل هذا القرار فلعل المشرفين على تحريرها يرجعون عن غيهم ويثوبون إلى رشدهم!.
اجتمع الوفد وعرضت عليه أمر الحملة التى تشنها جريدة «روزاليوسف» والتى يتزعمها «العقاد» فرأى جميع الأعضاء ماعدا ماهر والنقراشى أن يصدر الوفد بياناً بأن هذه الصحيفة لا تمثله ولا تنطق بلسانه وليس مسئولاً عما ينشر فيها، وبارح ماهر والنقراشى الاجتماع وآثار الغضب ظاهرة على وجهيهما»!.
فى 11 أكتوبر سنة 6391 صدر العدد الأول من صحيفة «المصرى» وعنها يقول النحاس باشا فى مذكراته.
كان محمود أبوالفتح قد زارنى عقب عودتى من إمضاء المعاهدة «معاهدة سنة 6391» وقال لى إنه اتفق مع زميلين له هما «محمد التابعى» و«كريم ثابت» على إصدار صحيفة يومية تكون لسان حال الوفد المصرى بدل «الجهاد» الذى أهمله صاحبه «توفيق دياب» حتى أعرض عنه القراء وقد وافقته على ذلك.
وقد صدرت منها عدة أعداد اطلعت عليها فوجدتها منظمة منسقة وممتلئة بالأخبار والمقالات والحوادث مما جعلنى أوافق على أن تكون لسان حال الوفد المصرى.
ويمضى «النحاس باشا» ليروى هذه الحكاية الطريفة:
خاضت جريدة المصرى المعركة الانتخابية بعنف وقوة وبدأت تكتب فضائح عن أعمال الحكومة ورئيسها «محمد محمود باشا» والأوامر التى تصدر للمديرين ورجال الإدارة خاصة بتزوير الانتخابات، وكانت تنشر من حين إلى حين وثائق ونصوص الأوامر مما أغضب رئيس الوزارة وأمر بالقبض على كريم ثابت أحد أصحاب المصرى الثلاثة.
وقد علمت أن «كريم ثابت» لم يكد يقف أمام المحقق حتى ارتجف واصفر لونه وكاد يغمى عليه مما اضطر المحقق إلى تأجيل التحقيق معه، ولما أفاق أنكر كل شىء وتنصل من صلته بالمصرى وقرر إنه لا تربطه به رابطة إلا دفع ثلث رأس المال، وأنه يؤكد لوكيل النيابة أنه سينسحب لأنه لا يقبل أن يعرض بجلالة الملك ولا بحكومته الرشيدة، وقد أفرج المحقق عنه بكفالة!».
ولاتزال فى المعركة فصول أخرى!



