«علاقات».. خريطة طريق للتحرر من قيود الذاكرة وجروح الاختيار
صدر حديثًا كتاب «علاقات» للدكتورة نها حمدي؛ وهو عمل يتجاوز كونه مجرد دليل للإرشاد الاجتماعي، ليصبح مرآة كاشفة تغوص في أعماق الدوافع البشرية المحركة لخياراتنا العاطفية واحتياجاتنا الإنسانية، وطبيعة الأشخاص الذين نسمح لهم باختراق دوائرنا الأكثر خصوصية.
فك شفرة «الألفة المؤذية»
ينطلق الكتاب من تساؤل جوهري ومؤرق: «لماذا نكرر أخطاءنا في الاختيار رغم إدراكنا المسبق للنتائج؟». ومن هنا، تبحر بنا الدكتورة نها حمدي في تحليل ما تسميه "الخدعة العقلية الكبرى"، حيث ينجذب الإنسان لا شعوريًا لمن يعيدون نكء جروحه القديمة. يوضح الكتاب كيف يتحول "الوجع المألوف" إلى منطقة راحة كاذبة، تجعلنا نفضل الألم الذي نعرفه على السعادة التي نجهلها، مما يحرمنا من تذوق طعم العلاقات الصحية.
هندسة الحدود النفسية
لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يقدم رؤية "هندسية" لبناء الذات؛ حيث يستعرض مفهوم «السور النفسي». يشدد العمل على أن حماية الخصوصية والطاقة ليست نوعًا من الأنانية، بل هي ضرورة للبقاء. ويطرح الكتاب فلسفة عميقة مفادها أن كلمة «لا» الواعية هي الحجر الأساس الذي تُبنى عليه أي «نعم» حقيقية وصادقة في الحب أو الصداقة، فبدون حدود واضحة، تصبح العلاقات استنزافًا لا لقاءً.
من الضحية إلى السيادة الذاتية
في رحلة تحول نفسي ملهمة، ينقل «علاقات» القارئ من عقلية "البحث عن المنقذ" أو الاستسلام لدور "الضحية"، إلى رحاب السيادة الذاتية. يؤكد الكتاب أن الفرد هو المسؤول الأول والوحيد عن جودة حياته العاطفية، وأن استعادة زمام المبادرة تبدأ من الداخل، حين نتوقف عن انتظار الآخرين لترميم انكساراتنا ونبدأ في قيادة ذواتنا نحو التوازن.
"إن العلاقات ليست مجرد صدف عابرة، بل هي انعكاس لما لم يُشفَ فينا بعد."
مرآة للذات.. بلسانٍ بسيط
ما يميز هذا العمل هو قدرة الدكتورة نها حمدي على صياغة أعقد المفاهيم النفسية بـ أسلوب سهل ممتنع وبسيط؛ مما يجعله متاحًا ومستساغًا لجميع الفئات العمرية والثقافات المختلفة. لقد نجحت الكاتبة في تحويل "النظريات" إلى "أدوات يومية" يمكن للقارئ العادي استيعابها وتطبيقها فورًا، ليستكشف ما تبقى من جوهره خلف قناع الأدوار التي نلعبها لإرضاء الآخرين، محذرًا من مسار قد يبدأ بالتنازل عن الحدود وينتهي بفقدان الهوية.
تضع الدكتورة نها حمدي خلاصة رؤيتها في فهم السلوك الإنساني، لتقدم للقارئ ليس فقط إجابات، بل أدوات عملية لإعادة صياغة مستقبله العاطفي، مؤكدة أن الوعي هو الخطوة الأولى لكسر الدوائر المفرغة والعبور نحو علاقات تقوم على التقدير لا على الحاجة.
الكتاب متاح حاليًا ضمن إصدارات دار الشلاسل، وسيكون بانتظار القراء في معرض الكتاب، ليكون رفيقًا لكل من يبحث عن بداية جديدة وفهم أعمق لذاته وللآخرين.



