الإثنين 12 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

دروس الإسراء والمعراج

"روزاليوسف" تنشر نص خطبة الجمعة القادمة

دروس الإسراء والمعراج
دروس الإسراء والمعراج

قررت وزارة الأوقاف المصرية أن تكون خطبة الجمعة المقبلة عن دروس الإسراء والمعراج “جبر الخواطــــر بهدف التوعية  بالدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج ومنها جبر الخواطر وأثره على النفس”.

 

يقول نص الخطبة:

"أحمدك يا من لك الخلق والأمر، سبحانك ما أجل شأنك وما أعز سلطانك، لك الحمد في الأولى والآخرة، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله ومن آزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، أما بعد:

فما كانت رحلة الإسراءِ والمعراج حدثًا عابرًا في حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي نفحةُ عنايةٍ إلهية، ورسالةُ مواساةٍ ربانية، تجلَّى فيها جبرُ الخواطر في أسمى صوره وأكمل معانيه، فقد جاء هذا التكريم العظيم بعد عناءٍ طويل، وألمٍ ثقيل، ليُعلِم القلوبَ أنَّ مع العسر جبرًا، ومع الانكسار رفعًا، ومع الصبر عطاءً لا ينقطع.

الإسراء والمعراج.. معجزة وخَصِيصة ودروس:
قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي في مقال بعنوان "فوق الآدمية؛ الإسراء والمعراج": "قصة الإسراء والمعراج هي من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا النجم الإنساني العظيم؛ وهو النور المتجسد لهداية العالم في حَيرة ظلماته النفسية؛ فإن سماء الإنسان تظلم وتضيء من داخله بأغراضه ومعانيه، والله تعالى قد خلق للعالم الأرضي شمسًا واحدة تُنيره وتحييه، وتتقلب عليه بليله ونهاره، بيد أنه ترك لكل إنسان أن يصنع لنفسه شمسَ قلبه وغَمامها وسحائبها، وما تسفر به وما تظلم فيه.

 

ولهذا سمي القرآن نورا لعمل آدابه في النفس، ووصف المؤمنون بأنهم {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: ١٢]، وكان أثر الإيمان والتقوى في تعبير القرآن الكريم أن يجعل الله للمؤمنين نورًا يمشون به.

ثم قال: "والخلاصة التي تتأدى من القصة: أنه صلى الله عليه وسلم كان مضطجعًا، فأتاه جبريل، فأخرجه من المسجد، فأركبه البراق، فأتى بيت المقدس، ثم دخل المسجد فصلى فيه، ثم عرج به إلى السموات، فاستفتحها جبريل واحدة واحدة، فرأى فيها من آيات ربه، واجتمع بالأنبياء صلوات الله عليهم، وصَعِد في سماء بعد سماء إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر الله ما غشيها، فرأى صلى الله عليه وسلم مظهر الجمال الأزلي، ثم زُجَّ به في النور فأوحى الله إليه ما أوحى".

 

ثم قال: "والقصة بعد ذلك تثبت أن هذا الوجود يَرِقُّ وينكشف ويستضيء كلما سما الإنسان بروحه، ويغلظ ويتكاثف ويتحجّب كلما نزل بها، وهي من ناحية النبي صلى الله عليه وسلم قصة تصفه بمظهره الكوني في عظمته الخالدة، كما رأى ذاته الكاملة في ملكوت الله، ومن ناحية كل مسلم من أتباعه؛ هي كالدرس في أن يكون لقلب المؤمن معراجٌ سماوي فوق هذه الدنيا، ليشهد ببصيرته أنوارَ الحق، وجمالَ الخير، وتجسُّدَ الأعمال الإنسانية في صورها الخالدة؛ فيكون بتدبره القصة كأنما يصعد إلى السماء وينزل؛ فيستريح إلى الحقائق الأساسية لهذه الحياة، فيدفع عن نفسه بذلك تعقُّدَ الأخيلة الذي هو أساس البلاء على الروح، ومتى استنار القلب كان حيًّا في صاحبه، وكان حيًّا في الوجود كله، ومتى سَلِمت الحياة من تعقيد الخيال الفاسد لم يكن بين الإنسان وبين الله إلا حياةٌ هي الحق والخير، ولم يكن بينه وبين الناس إلا حياةٌ هي الرحمة والحب". [وحي القلم]

 

جبر الخواطر في الإسراء والمعراج:
إن جبر الخواطر خُلُقٌ قرآنيٌّ، ومسلك نبويٌّ، يسكب السكينة في الأرواح المتعبة، ويُعيد للنفس المتألمة توازنها وأمَلها، وجابرُ الخواطر صاحبُ نفسٍ سامية، وقلبٍ عظيم، وصدرٍ سليم، وعقلٍ راجح؛ يواسي القلوب المفطورة، ويخفِّف عن الأجساد المرهقة، ابتغاءَ وجه الله وحده، فما أبهى هذه العبادة وأسماها.

وقد كانت معجزة الإسراء تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتطييبا لخاطره، وشدًّا لأرزه، وذلك بعد أن توفي عمه أبو طالب وزوجه السيدة خديجة رضي الله عنها، حتى سُمِّي هذا العام (عام الحزن)؛ لِمَا أصابه صلى الله عليه وسلم من هَمٍّ وأَلَمٍ، ولِمَا كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة.

 

لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة -بعد موت زوجه وعمه- آذانًا مصغية، وقلوبًا واعية، فاضطر للخروج إلى الطائف كي يعرض دعوته على أهل ثَقيف، لكن لم يلقَ منهم استجابة، بل آذَوه ونالوا منه، وأغروا به سفهاءَهم وعبيدهم يرمونه بالحجارة حتى دمِيَت قدماه الشريفتان، فانصرف مهمومًا حزينًا على عدم إيمان هؤلاء، فإذا به يجد نفسه في «قرن الثعالب»، فأخذ يناجي ربه، ويتضرع إليه قائلاً: «اللَّهم إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ» [رواه أحمد، والبيهقي في "دلائل النبوة"].

 

وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟، قَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [رواه البخاري].

 

جبر الخاطر بفرض الصلاة:
في تلك الرحلة العُلوية المباركة، شرَّف الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بفرض الصلاة خمسَ مراتٍ في اليوم والليلة، فجاءت فريضةً تتجلّى فيها أسمى معاني جبر الخاطر؛ إذ جعل الله فيها لِحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم قربًا موصولًا من حضرته، ومناجاةً دائمةً لا تنقطع بين العبد وربه، وفي هذا القرب ما يطيب الخاطر، ويُسكِّن الفؤاد، ويهدِّئ الروع، ويشدُّ الأزر، ثم جعلها الله لأمته معراجًا تتسامى به الأرواح، وترتقي به القلوب، فكما كان الإسراء والمعراج تكريمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت الصلاة معراج المؤمنين، بها يعرجون إلى معاني الطمأنينة، ويستمدون من أنوار القرب قوةً على السير، وثباتًا على الطريق، وصلةً لا تنفصم بالرحمن جل في علاه.

 

عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، ... فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ... فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي». [متفق عليه].

 

جبر الخاطر بلقاء الأنبياء:
وفي تلك الرحلة الجليلة، جمع الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم شرف اللقاء بإخوانه من الأنبياء الكرام، فالتقَوا على بساط الوحي، وائتلفت أرواحُهم على كلمة التوحيد، فصلّى بهم إمامًا في المسجد الأقصى ببيت المقدس، إعلانًا لقيادته، وتكريمًا لرسالته الخاتمة، ثم أراه الله ملائكته المقرَّبين، قائمين بأمره، خاشعين لجلاله، فكان في ذلك تثبيتٌ للفؤاد، وتأنيسٌ للنفس، وتأكيدٌ على أن طريق الدعوة موصولٌ بموكب النبوة، ومحفوفٌ بعناية السماء، وأن من كان الله معه فلا وحشة عليه، ولا خوف، ولا انكسار.

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا، مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبِطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ {فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} [السجدة: ٢٣]» [رواه البخاري].

وتلك منزلة عظيمة تدل على علو شأنه صلى الله عليه وسلم وسمو قدره، وكان لها أثر طيب في نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، فرؤيته لإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ورؤيته للملائكة الكرام، ومرافقة أمين الوحي جبريل عليه السلام له في تلك الرحلة، لهو كفيل بأن يُزيل من قلبه الشدائد والهموم والأحزان.

 

قال البوصيري:

سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيــــْلًا إِلَى حَرَمٍ ... كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِيْ دَاجٍ مِّنَ الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَرْقـى إِلى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً ... مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تَرُمِ

وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الْأنْبِيَــاءِ بِهَا ... وَالرُّسْلِ تَقْدِيَمَ مَخْدُومٍ عَلى خَدَمِ

وقال شوقي:

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلًا إِذ مَلائِكُـــــــــهُ .. وَالرُسلُ فى المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ

لَمّا خَطَـــــــــــــــــــــــرتَ بِهِ اِلتَفوا بِسَيِّدِهِم .. كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ

صَلّـــــــــــــــــــــــــــــى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذى خَطَرٍ .. وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ

جبر الخواطر خلق قرآني:
إن من أعظم الدروس التي يستفيدها المؤمن من هذه المعجزة قيمة جبر الخواطر، كيف لا وقد أرشدنا إليها القرآن، وذلك في نهاية سورة النحل ومفتتح سورة الإسراء، فقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: ١٢٧-١٢٨]، وكانت أولى هذه العناية الإلهية أن أسرى بحبيبه كما قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: ١].

وهو خلق يفيض به القرآن الكريم، قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:٢٦٣].

وقال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: ٨].

وقال تعالى {وَٱلضُّحَى * وَٱلَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}. [الضحى: ١-٣]

وقال تعالى على لسان يوسف لأخوته الذين آذوه وأبعدوه وحنقوا عليه وقد تمكن منهم: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: ٩٢]، ثم لما دخلوا عليه مع أبويه قال عليه السلام وقد جبر خواطر الكُلّ {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: ١٠٠].

 

جبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم في أمته:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ تَلا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبْراهِيمَ: {رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي} [إبراهيم: ٣٦] الآيَةَ، وقولَ عِيسَى عليه السَّلامُ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي، وبَكَى، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَمُ، فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ فأخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بما قالَ، وهو أعْلَمُ، فقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ، ولا نَسُوؤكَ» [رواه مسلم].

 

جبر الخواطر سبب في محبة الله تعالى ودخول الجنة:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ» [رواه ابن أبي الدنيا والطبراني].

 

عنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ»، قَالَ: قَالَ اللهُ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ» [رواه مسلم]،  فصنيعه هذا كان سببًا في أن يتجاوز الله عن سيئات هذ العبد، ويحط من أوزاره؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

قال المناوي: "ومقصود الحديث: الحث على المساهلة والمسامحة في التقاضي، وبيان عظيم فضل ذلك، وألا يحتقر من الخير شيئًا وإن قَلَّ، وأنه تعالى يتجاوز عن القليل من العمل، وأنه بركة ظاهرة، وكرامة بينة، وسبب للغفران، ومرقاة لدخول الجنان" [فيض القدير شرح الجامع الصغير].

 

وعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ رضي الله عنه، قَالَ: "اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ، فَقَالَ مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنْ الْخَيْرِ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ، فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمَعْسُورِ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي" [رواه مسلم].

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ؛ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ؛ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [متفق عليه].

 

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يجبره الله تبارك وتعالى، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يَقولُ بَيْنَ السَّجْدتَينِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وارْحَمْني، واهْدِني، وعافِني، وارْزُقْني، واجْبُرْني». [رواه الترمذي].

صور من جبر الخواطر في حياة الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وسلم:
١- جبر خاطر زوجاته: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأَتْ فِي الْمَسِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: «‌حَمَلْتَنِي ‌عَلَى ‌بَعِيرٍ بَطِيءٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا ويُسْكِتُهَا... » [رواه النسائي في الكبرى].

 

٢- جبرَ خواطرِ الأطفالِ والصبيانِ وخاصة الأيتام : فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شَدَّادِ بن الْهَادِ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي إِحْدَى صَلاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَةً فَأَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلامُ رَاكِبٌ ظَهْرَهُ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَجَدْتَ فِي صَلاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً مَا كُنْتَ تَسْجُدُهَا، أَشَيْئًا أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قَالَ: «كُلٌّ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» [رواه أحمد والحاكم وصححه].

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ له: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ فَرَآهُ، قالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ بهِ» [رواه مسلم].

٣- جبرَ خواطرِ الضعفاء: فهذا زَاهِرٌ صاحب رسولِ الله ﷺ وكان َدميمًا، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ»، فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا، قَالَ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، وفي لفظ: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ الله غالٍ» [رواه مسلم].

٤- جبرَ خواطرِ أصحاب المصائب: عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، يَقُولُ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا، قَالَ: «أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: ١٦٩]» [رواه ابن ماجه والترمذي].

وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُحِبُّهُ؟» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أُحِبُّهُ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟» قَالُوا مَاتَ ابْنُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا يَسُرُّكَ أَلَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَهُ خَاصَّةً أَوْ لِكُلِّنَا قَالَ: «بَلْ لِكُلِّكُمْ». [رواه أحمد والحاكم].

جبر خواطر الفقراء: عن عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ رضي الله عنه، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَكَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ‌ظَلَعَهُمْ ‌وَجَزَعَهُمْ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْغِنَى، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ»، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ. [رواه البخاري].

من آثار جبر الخواطر على النفس:
من ثمرات جبر الخواطر وآثاره العميقة في النفس والمجتمع؛ أنَّه يفيض على القلب طمأنينةً وسكينة، ويهب الروح راحةً بعد عناء، ويزرع في النفس ثقةً متجددةً بذاتها وبقدرتها على النهوض بعد العثرة، وهو كذلك يُوثِّق عُرى المودَّة بين الناس، ويقوِّي الروابط الاجتماعية، فيسود التراحم، وتذوب القسوة، ويحلُّ التآلف محلَّ الجفاء.

وجبر الخاطر بابٌ واسعٌ لاستعادة الأمل، وبعث السعادة في القلوب المنكسرة، وتضميد الجراح الخفيَّة، وتخفيف وطأة الحزن، وتهدئة القلق، وبثِّ معاني الرضا واليقين، بل هو في جوهره عبادةٌ راقية، وأخلاقٌ نبيلة، إذا سرت في الأفراد أحيَت النفوس، وإذا شاعت في المجتمعات أقامت بنيانها على الرحمة والتكافل، وجعلت من الإنسانية جسدًا واحدًا يتألم لألم أفراده، ويفرح لفرحهم.

إجراءات عملية لتطبيق قيمة جبر الخواطر:
في حادثة الإسراء والمعراج تتجلّى قيمة جبر الخاطر في أبهى صورها، ويمكن تحويل هذه الدلالات الإيمانية إلى إجراءات عملية واقعية تُبثّ في النفوس وتُفعَّل في الحياة، ومن ذلك:

أولًا: ربط الشدائد بالمنح الإلهية: تهيئة النفوس على أن بعد العسر يُسرًا، وأن جبر الله يأتي غالبًا بعد الابتلاء، كما جاء الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، فيغرس في القلوب حسن الظن بالله، وعدم اليأس عند المحن.
ثانيًا: تعظيم شأن الصلاة بوصفها جبرًا يوميًّا للخاطر: الصلاة ليست تكليفًا مجردًا، بل هدية ربانية ومعراجًا للروح، يلجأ إليها المكروب، ويأنس بها الحزين، فتكون ملاذًا عمليًّا لجبر الخواطر في كل يوم وليلة.
ثالثًا: بثّ ثقافة التطييب لا التثريب: الاقتداء بالخطاب الإلهي اللطيف للنبيّ صلى الله عليه وسلم، لنتأسى باختيار الكلمة الحسنة، وتقديم المواساة قبل اللوم، والاحتواء قبل العتاب، خاصة عند وقوع الخطأ أو الفشل.
رابعًا: إحياء معنى المؤازرة الاجتماعية: علينا أن نتذكر أن جبر الخاطر مسئولية جماعية، كما أيَّدت السماء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والملائكة، فيُفَعَّل التكافل، والسؤال عن المتألمين، والوقوف مع الضعفاء، لا تركهم في وحدتهم.

تم نسخ الرابط