لا يعد نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلى حالة فريدة فى قارة أمريكا الجنوبية، إلا فى الطريقة التى اختطفته بها القوات الأمريكية من غرفة نومه، ومعه زوجته، وأخذته سجينا احتياطيا على ذمة ثلاث اتهامات ثقيلة عن تهريب المخدرات، عقوباتها السجن المشدد ما بين 20 سنة ومدى الحياة.
نعم سبق للقوات الأمريكية أن اعتقلت مانويل نورييجا رئيس بنما من قصره، لكن كان غزوا أمريكيا لبنما بدأ فى 20 ديسمبر 1989 إلى نهاية يناير 1990، شارك فيه ما يقرب من 28 ألف جندى و300 طائرة، وقبضوا عليه وحاكموه فى واشنطن بجريمتى الابتزاز وتهريب المخدرات، وحكموا عليه بالسجن 40 عامًا، لم يقض منها سوى 17 عامًا، لحسن السير والسلوك، لكنهم سلموه إلى فرنسا الذى حكمت عليه بالسجن 7 سنوات بتهمة غسيل الأموال، وسلمته فرنسا بدورها إلى حكومة بنما الذى حبسته إلى أن مات 2017!
أما مادورو فقد اختطفته قوات خاصة فى عملية محدودة ولم تكن غزوا مسلحا وهذه حالة فريدة لم يسبق حدوثها، أما السائد والشائع فى أمريكا الجنوبية، فهو «نوعية مادورو» فى نظم الحكم فى كل دول القارة تقريبا، إلى الدرجة التى قال عنها كتاب وخبراء فى السياسة إنها قارة «تعشق» الفقر والاستبداد والشيوعية، بالرغم من مواردها الطبيعية الهائلة، مياه ومعادن ونفط وأرض زراعية وغابات!
فنزويلا مثلا تملك ثروات طبيعية ضخمة، تتيح لشعبها أن يعيش كالأوروبيين أو الأمريكيين من الطبقة الوسطى، إذ فى باطن أرضها أكبر احتياطى نفطى فى العالم، يقدر بحوالى 300 مليار برميل، يعنى لو قدرنا أن يستمر احتياج العالم إلى النفط خمسين سنة قادمة، إلى أن يكتشف بديلا نظيفا للطاقة، فنصيب المواطن الفنزويلى 200 برميل سنويا، ثمنها مع ثبات سعر البرميل 13000 ألف دولار، تُحصل شركات الإنتاج والضرائب أكثر من 50 %، يتبقى 6 آلاف دولار لكل مواطن، بينما متوسط الدخل السنوى ثلاثة آلاف دولار فقط، دون أن نحسب الغاز الطبيعى وفنزويلا واحدة من المنتجين الكبار فى القارة، نهيك عن الذهب والماس والمعادن الأخرى والمحاصيل الزراعية مثل الكاكاو والقهوة والموز والذرة، والسواحل الممتدة لـ 2800 كيلومتر على المحيط الأطلسى والبحر الكاريبى.. إلخ.
بالرغم من هذه الموارد الطبيعية الهائلة إلا أن حال أهلها على فيض الكريم، وتحديدا 76.6 % منهم سكان يعيشون فى فقر مدقع!
ولهذا قد نفهم أسباب البهجة للتخلص من مادورو، والتى أظهرها فنزويليون فى بلادهم وفى دول مهاجرين إليها، حتى لو كان التخلص منه بطريقة مهينة للكرامة الوطنية!
ومادورو نفسه حكايته حكاية، مثل كثرة من حكام أمريكا الجنوبية، فهو كان سائق أتوبيس، نشيطًا نقابيًا، عضوًا فى اللجنة الوطنية للرابطة الاشتراكية، انضم إلى حركة تطالب بإطلاق سراح العقيد هوجو تشافيز بعد سجنه متهما بتدبير انقلاب عسكرى فاشل ضد الرئيس كارلوس أندريس بيريز، فى فبراير 1992.
وهنا فتحت له طاقة القدر، التقى بالمحامية سيلفيا فلوريس التى ترأست الفريق القانونى المدافع عن تشافيز، وتزوجها، ونجحت سيليا فى إطلاق سراح تشافيز، الذى فاز بالرئاسة فى عام 1998، فكانا مقربين منه، فشغلت زوجته منصب النائب العام ورئيس البرلمان، أما هو فشغل منصب وزير الخارجية ثم نائب الرئيس، ثم الرئيس بعد موت تشافيز فى أبريل 2013!
كان تشافيز صاحب كاريزما، نفذ تغييرات شاملة لإنشاء دولة اشتراكية، وضع دستورًا جديدًا، أمّم قطاع النفط، واستخدم عائداته فى توفير رعاية صحية مجانية وتعليم جيد وتحسين أحوال الفقراء فى السكن والغذاء، لكنه تراجع عن الديمقراطية تدريجيًا وحَدَّ من حرية الصحافة وسَيَّسَ القضاء، وأفاض فى العطايا على حلفائه السياسيين ليضمن الولاء..الخ، ومع تعثر الاقتصاد لأسباب كثيرة بدأ التضخم والنقص فى السلع والخدمات تضرب المجتمع، وهكذا تسلم مادورو مجتمعًا مأزومًا لم يحاول قط أن يجد له حلولا، بل اشتدت قبضته القوية على البلاد، فزادت الأزمات وتفاقمت إلى حد الانهيار الاقتصادى، خاصة مع العقوبات التى فرضتها الولايات المتحدة عليها.
والسؤال: هل تنتج شعوب أمريكا الجنوبية بطبيعتها حكامًا استبداديين؟
السؤال له وجاهة، فزعماء مثل مادورو لا يصعدون من الفراغ، وإنما يعكسون إنماطا قارية أوسع نطاقا شكلت السياسة فى معظم دول القارة، مثل خوان بيرون فى الأرجنيتن، جيتوليو فارجاس فى البرازيل، خوان فيلاسكو ألفارادو فى بيرو، أوجستو بينوشيه فى شيلى، إيفو موراليس فى بوليفيا، وجوستابو روخاس بينيا فى كولومبيا..الخ.
لكن بالقطع الشعوب لا تنتج استبدادا، لكن الظروف التاريخية والهيكلية هى المصنع الذى يتشكل فيه الاستبداد، أى ما حدث فى بنية هذه الدول والمجتمعات لفترات طويلة هو الذى أفرز هذا النمط من النظم.
بالقطع لعب الاستعمار الأوروبى، خصوصًا الأسبانى والبرتغالى، دورًا أساسيًا فى تكوين البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى دول أمريكا الجنوبية..
أولا: أسس أنظمة حكم مركزية بيد ممثل الدولة الاستعمارية، فرض بها قوانينه مما أدى إلى تهميش النظم القانونية للشعوب المحلية، كما أعاد رسم الحدود بين دول القارة مما أثر لاحقا على شكل الدولة الحديثة.
ثانيا: ركز الاستعمار على اقتصاد استخراج الموارد، مثل الذهب والفضة من جبال الأنديز، إدخال محاصيل تجارية هو يريدها بالدرجة الأولى، بغض النظر عن حاجة الشعوب المحلية مثل السكر والقطن، وكانت التجارة احتكارية مباشرة مع السوق الأوروبية، مما جعل معظم هذه الاقتصاديات تابعة وغير مستقلة، مع الاعتماد على نظام العمل القسرى، ليجبر السكان على العمل فى المناجم «الخطيرة على حياتهم».
ثالثا: صناعة هرم اجتماعى قائم على العرق والأصل، على قمته «المستعمرون» المولودون فى أوروبا الذين استوطنوا البلاد ولم يعودوا إلى إسبانيا والبرتغال، ثم أبنائهم، ثم ذوات الاختلاط من الأوروبيين مع أهل البلاد، فالسكان الأصليون، والعبيد وفى النهاية الأفارقة.
باختصار ورثت أمريكا الجنوبية مثالب متجذرة فى بنية المجتمعات..
1 - فجوات شديدة فى الثروة بسبب الحكم الاستعمارى، نخبة سيطرت على الأراضى والموارد، وأغلبية مهمشة فقيرة.
2 - الاعتماد على بيع المواد الخام كالنفط والمنتجات الزراعية.
3 - مؤسسات دستورية ضعيفة لها ضوابط هشة سهلت صعود قادة مثل نيكولاس مادورو.
4 - بيئة مثالية لينمو فيها الزعماء الشعبويون الذى يلعبون على أوتار المظالم المتوارثة بصفتهم مدافعين عن الفقراء حتى لو كانوا مستبدين!
كان طبيعيًا للغاية أن تجد النظم الشيوعية والاشتراكية أرضًا خصبة لتنتشر فى القارة، فهى نظم تدعو إلى إعادة توزيع الثروات، وتمكين الفقراء، لتكون بديلا لحكم الأقلية الثرية التى قبضت على السلطة سنوات طويلة.
وفى الوقت نفسه هى نظم تعادى الإمبريالية الأمريكية التى تجسد الاستعمار لسكان القارة الاستعمار القديم، فاتخذوها وسيلتهم لمقاومة الهيمنة الاقتصادية والسياسية لأمريكا.
وحين انفجرت الثورة الكوبية فى عام 1959 صارت نموذج التحدى ضد الإمبريالية، وألهمت القادة فى القارة نفس الأفكار.
فى الوقت نفسه مد الاتحاد السوفيتى زعيم الكتلة الشيوعية جسور الصداقة والدعم الأيديولوجى والمادى مع هذه الدول، وساند حركات مسلحة فى هذه المجتمعات للإطاحة بالأنظمة الموالية للولايات المتحدة.
وحين تمكن القادة الشيوعيون والاشتراكيون من الوصول للحكم، وبدأوا بالفعل فى إجراء إصلاحات حقيقة فى البنيات الاجتماعية والاقتصادية، لم يواكبها إصلاحات قوية فى البنيات السياسية، فانحرفت النظم الجديدة إلى الاستبداد بالضرورة، وكان طبيعيا أن يتراجع الاقتصاد نتيجة عدم الكفاءة والفساد!
نعم مادورو ليس حالة فردية، ومازالت القارة حبلى بتوترات قادمة!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



